أخر تحديث : الثلاثاء 25 شتنبر 2018 - 8:24 صباحًا

نوستالجيا (الكارت بوسطال)

بتاريخ 25 سبتمبر , 2018
نوستالجيا (الكارت بوسطال)

الكبير الداديسي

ما تقدم الإنسان في السن، وبلغ من العمر عتيا، إلا ووجد في نفسه حنينا لأشياء كان لها تأثير في حياته، خاصة تلك الأشياء التي تفاعل معها إيجابا في طفولته وشبابه و لا زال رنين تأثيرها يتردد في أعماقه، فتهزه النوستالجيا إليها ليفهو لها قلبه، تذكره بلحظات فرح انفلتت منه وبقيت ذكراها في ما يحتفظ به من أشياء يخزنها في أماكن أمينة، يصونها ويداريها حتى لا تضيع منه لا يظهرها إلا لكل عزيز، ويشعر بالفخر لما يجد من يقدرها أو يثني عليه لأنه يحفظها تذكره بشخص محبوب، أو لحظة سعيدة في فترة من حياته….
كثيرة الأشياء التي تذكي فينا الحنين للماضي، واليوم نطل من خلال هذه النافذة في زوايا النوستالجيا على شيء يكاد يمحي من وجوده، وكان له إلى عهد قريب حضور قوي في حياتنا، نقصد به “الكارت بوسطال” أو البطاقات البريدية، التي كانت في شبابنا موضة للتواصل والبوح المكشوف، و”الكارت بوسطال” عبارة عن صور تتعدد مواضيعها من معلم سياحي، أثر تاريخي ، فلكلور شعبي، نباتات، حرف يدوية، مناسبات خاصة أو عامة… يكتب المرسل على ظهرها عبارات التحايا، الشوق، الحب، الحنين، والتهنئة في وقت لم تكن هناك أسرار بين المتراسلين، ولم يكن أحد يخجل من التعبير عما يختلج صدره… فكانت تستعمل وسيلة لنقل الأحاسيس بين الأحبة والأهل يرسلها شخص إلى أصدقائه أو ذويه ليشاركونه محطات سفره وتنقلاته، ويبادلونه المشاعر في مختلف مناسباته الخاصة، إذ كان يكفي أن يتوجه إلى أي محل من محلات بيع الكارت بوسطال ليحتار في اختيار الصورة المناسبة من بين المئات من الصور المعروضة مرتبة على ذلك الإطار الحديدي المثبت على جدران المحل، أو الواقف بكبرياء في تناسق تدور حول محور يحركه الزبون بأنامله كاشفا عن خباياه… وقد رتبت أحيانا حسب تيمات تخلد ملامح المدن، المعالم السياحية، المناظر الطبيعية بعناصرها الحية (الحيوانات والطيور …) أو الجامدة (النباتات والأزهار المناظر الطبيعية…) الفلكلور ….
ومنها ما كان يباع مختوما فلا يحتاج لطابع بريدي يقتني الزبون بطاقة بريدية بثمن رمزي يكتب على ظهرها أشواقه وأحاسيسه ويضعها في أقرب صندوق بريدي لتصل المرسل إليه… في عالم كانت الأسرار تنقل مكشوفة ولا تشكل حرجا للمرسل ولا للمستقبل…
وكان بيع الكارت بوستال يشكل مورد رزق لعدد من العائلات… اليوم اختفت تلك البطاقات، واختفت محلات بعيها، لكن لا زالت في أعمال النفس نوستالجيا تهز الجوانح إلى زمن كانت العبارات القليلة معبرة، وكانت الصورة هدية لا تنسى، فكم كانت الكارت بوسطال سببا في الزواج وتكوين عائلات، وفرصة لجمع شمل المتخاصمين، وتوطيد العلاقة بين المحبين…

إن التعامل بالبطائق البريدية كان في حينه موضة وتعبيرا عن التحول الذي عرفه المجتمع آنئذ سواء من حيث تقدم فن التصوير وما يرتبط بصناعة الصورة لما كان في تلك البطاقات من فنية وقدرة على تخليد أحداث مرت، أو معالم أثرية اندثرت… أو من حيث تفاقم ظاهرة الهجرة من الأرياف إلى المدن، وانقطاع الصلة بين الشباب وأهاليهم فكانت الكارت بوسطال صلة الوصل التي لا تكلف مجهودا لصلة الرحمة وتبادل الأحاسيس والمشاعر، وطمأنة الأهالي على فلذات أكبادهم في وقت لم يكن للهواتف النقالة وجود وما كانت إلا الكارت بوسطال سبيلا لمعرفة أخبار المسافرين والمهاجرين ومعالم المدينة التي يعيشون فيها…
وعلى الرغم من كون شبكات التواصل الاجتماعي، وثورة التواصل والتدفق المعلومات قد قضى على ثقافة الكارت بوسطال، لدرجة قد لا يعرف عدد كبير من مواليد الألفية الثالثة ، أن تلك البطاقات كانت ولا زالت – بالنسبة لمن تداولها أو لا زال يحتفظ بها – محاطة بهالة من الإجلال والتقدير يأخذه عبقها كلما تذكرها إلى أيام الزمن الجميل الخوالي ، لا يمكن أن ترقى إلى مقامها كل الصور المتبادلة اليوم بغزارة عبر الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية الفاقدة للإحساس…
ففي المغرب – وأكيد في مختلف البلدان – كان للكارت بوسطال عشاقها، لارتباطها بجزء من الهوية الجماعية للبلد تخلد فلكلوره، أعياده، لباسه، تقاليده… وهو ما جعلها محطة أعجاب السياح وزوار المدن، فقد كان لكل مدينة بطاقاتها البريدية الخاصة بها.. تعرّف بها وتحفظ للأجيال وثائق تاريخية لمهن بادت، وآثار انمحت، وألبست انقرضت، وشوارع تغيرت هندستها ومبانيها… وكل المغاربة يتذكرون بطاقات السقاء (الكراب) بأكوابه النحاسية اللامعة وهو يتأبط قربة الماء تفوح منها رائحة القطران.. وهي صورة انمحت من عدد كبير من المدن، و بطاقات لبعض الشوارع في بعض المدن المغربية قد يندهش شباب اليوم من الشكل الذي كانت عليه، ومن نوعية العمران وألبسة الناس الذين كانوا يتحركون في تلك الشوارع قبل سنوات
كان ثمن الكارت بوسطال ثمنا زهيدا، لكنها – على الأقل بالنسبة لمن لا زال يحتفظ بها – تشكل وثائق ورسائل وذكريات لا بلى… لا يمكن لآلاف الصور التي تتدفق علينا اليوم من كل حدب وصوب ومن كل أرجاء العالم عبر الذبذبات الناقلة للصور أن تحمل في طياتها عبق الزمن الجميل، ورمزية الكارت بوسطال، وسحر الخط الجميل بالريشة وغير ذلك من الأشياء التي كانت تنقل وتصل من الإنسان الذي تفاعل عبرها، إنها كانت تصنع حسا الاجتماعي ووعيا وجدانيا جماعيا وهو ما تعجز عنه الصور المنقولة إلينا عبر الوسائط التكنولوجية الجافة مما يفرض معه أن نتساءل لماذا تعجز ذاكرتنا اليوم عن تذكر الصور الإليكترونية فيما لا زالت عدة بطاقات بريدية مرقونة في ذاكرتنا رغم مرور زمن على تفاعلنا معها؟؟؟

<