Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
--
--

الفن رسالة وليس جريمة !

الفن رسالة وليس جريمة !

اسماعيل الحلوتي

استياء شديد تلقى جزء كبير من المغاربة عامة وعشاق “فن الشارع” خاصة، خبرا صاعقا يوم الأربعاء 22 نونبر 2018، تمثل في القرار الصادر عن المحكمة الابتدائية بعين السبع، القاضي بإدانة الشابين: بدر معتز ومهدي عشتاوي، البالغين من العمر 25 و28 سنة، بالسجن شهرا موقوف التنفيذ، بتهمة تعنيف عون سلطة في ساحة “ماريشال” بالدار البيضاء يوم 13 نونبر 2018، والحال أنهما لم يكونا يريدان سوى إثنائه وزملائه عن مصادرة آلاتهما الموسيقية، عندما كانا يقدمان عروضهما الفنية في الهواء الطلق.
وقد جاء الحكم سريعا إثر تنازل المشتكي، الذي كان يقوم رفقة زملائه بتنفيذ أوامر رئيس المقاطعة المتمثلة في إيقاف نشاطهما غير المرخص له، بعدما سبق لمصالح الولاية إصدار قرار خلال شهر أكتوبر 2018، يمنع العروض الموسيقية في ساحتي ماريشال والأمم المتحدة، استجابة لشكايات السكان المتضررين من استخدام مكبرات الصوت، التي يزعمون أنها تزعجهم وتقلق راحة الأطفال والمرضى وكبار السن…
وسواء أخطأ الشابان بدخولهما في عراك مع أعوان السلطة للحيلولة دون احتجاز آلاتهما الموسيقية، أو أن السلطات المحلية قامت باستفزازهم واستدراجهم لاقتراف الخطأ، ومن ثم اتخاذ قرار الحظر النهائي لممارسة الأنشطة الفنية بالساحة المعنية. وبصرف النظر عما خلفه الحادث من ردود فعل متباينة بين مؤيدين ومعارضين ل”فن الشارع”، فإنه لا يمكن إنكار حقيقة ما للفن من أهمية بالغة، حيث قال الشاعر الكبير أدونيس: “إن من خصوصيات الفن أنه لا تحده حدود ولا تضبطه قواعد”. وفضلا عن أنه أحد أبرز أصناف الثقافة الإنسانية، يعتبره بعض العلماء ضرورة ملحة لحياة الإنسان في تغذية الروح وتهذيب النفس والسمو بالأخلاق، فهو رسالة سامية ووسيلة للارتقاء بالمجتمع وإمتاع أفراده وإقناعهم وخدمتهم، ولم تكن قيمة الفنون يوما موضع شك أو خلاف بين الناس، ماداموا مفطورين على محبة الفن ويحسون بالانجذاب إليه.
وكما أن هناك مواطنين مغاربة كثر من ضمنهم فنانين معروفين، استنكروا بشدة حادث الاعتقال والمحاكمة، ويعتبرون أن الأحق بالإدانة ليس الشابين اللذين لم يرتكبا أي فعل إجرامي، ولا يعملان سوى على صناعة الفرح والفرجة، بل هي السياسات العامة للحكومات المتوالية، التي ظلت تهمش مطالب الشباب الملحة، دون أن تفكر يوما في النهوض بالتعليم وربطه بسوق الشغل، وخلق فرص عمل ملائمة لذوي الشهادات وغيرهم، وإنشاء مسارح القرب والإكثار من المعاهد الموسيقية لاحتضان الطاقات الخلاقة… ويرون في “فن الشارع” ظاهرة صحية ينبغي الاهتمام بها، مادامت تشكل حصنا منيعا ضد الانحراف والهجرة السرية والتطرف ومجالا خصبا لاستنبات المواهب الفنية وحسن رعايتها، في شتى ألوان الفنون من موسيقى وغناء ورقص وتمثيل ونحت ورسم…
هناك في المقابل آخرون استحسنوا تدخل السلطات، ويرون في هؤلاء “الفنانين” مجرد متهورين، انزاحوا عن تقاليد المجتمع وتراثه، وأصبحوا لا يقيمون وزنا لراحة السكان وسلامتهم، ويجتمعون فقط على نشر الرذيلة والتعاطي للمخدرات وحبوب الهلوسة… منادين بوضع ضوابط للفن والتصدي للأفكار الهدامة والإسفاف والانحطاط الأخلاقي والتقليد الأعمى للغرب، وكل ما يؤدي إلى تدمير القيم وجعل الشباب أكثر قابلية للتهتك والضياع.
فلا خلاف إذن بين المؤيدين والمعارضين من أن الفن عمل إبداعي وتعبير صادق عن رقي الفكر والذوق، يهدف إلى التخليق والسمو بالروح والارتقاء بالنفس إلى أعلى مراتب العفة والشعور النبيل. وهو في رأي عديد الفلاسفة وعلماء الفن والجمال نشاط رفيع يعطي المتعة صفة “النزاهة الخالصة” والخالية من الشوائب، وفيه قال المفكر الألماني “لانج”: “هو مقدرة الإنسان على إمداد نفسه وغيره بلذة قائمة على الوهم، دون أن يكون له أي غرض شعوري يرمي إليه عدا المتعة المباشرة”.
وبالعودة إلى “فن الشارع” نجد أنه ظاهرة فنية كونية انطلقت في نهاية الستينات مع رسوم قطارات الأنفاق، وارتبطت كثيرا بالحركات الاحتجاجية، ثم ظهر فن الكتابة على الجدران أو الجرافيتي، وبالتدريج انتشر في بلدان العالم بنسب متفاوتة. فتحولت بعض الأرصفة والساحات العامة إلى منصات مفتوحة أمام الموهوبين، الذين يرغبون في التواصل المباشر مع الجمهور ومحاولة إمتاعه بلوحاتهم الفنية من خارج قاعات العروض المسرحية واستوديوهات التسجيل، وتسليط الأضواء على أهم القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ونشر قيم الجمال والتسامح ونبذ العنف والكراهية… للحصول على تقدير مادي أو معنوي، بعيدا عن سطوة أرباب المسارح ومتعهدي الفرق الفنية والفنانين.
ويشمل “فن الشارع” مختلف الفنون السمعية والبصرية الممتعة من عزف وغناء ورقص وتمثيل وتهريج وألعاب سحرية… ولا يقتصر على فئة بعينها من الموهوبين، فمنهم الشباب والشيوخ والأطفال، إناثا وذكورا. ومن بين أشهر موسيقييه نجد “بوب ديلان” و”جون بيز” وغيرهما، وتعد لندن أكثر العواصم العالمية احتضانا لرواده من مختلف الجنسيات.
والمغرب بدوره عرف خلال السنوات الأخيرة ازدهار الظاهرة، خاصة في الرباط والدار البيضاء، بارتكازه على الفن التجريدي متجسدا في رسم الجرافيتي، الذي يعبر عن حياة المواطن وبواطنه النفسية والوجدانية. وتعتبر “الألتراس” من أشهر الجمعيات في الرسم على الجدران، وهي حركات معروفة بالاعتماد على التمويل الذاتي وولائها اللامحدود لفرقها الرياضية، ولعل أغنية “فبلادي ظلموني” التي تنشدها جماهير الرجاء البيضاوي واهتز لها العالم العربي، خير مثال على قوة “فن الشارع”.
ولا غرو أن يتم اختيار ساحة “ماريشال” بالدار البيضاء، باعتبارها موقعا استراتيجيا مواجها لعدد من المقاهي، وملتقى لزوار المدينة من مغاربة وأجانب. وجعلها مسرحا مفتوحا للمواهب الفنية الواعدة، التي لم تجد فرصتها في تفجير طاقاتها الإبداعية داخل أماكن العروض الرسمية…
إننا نشجب كل تضييق يستهدف حرية التعبير بمختلف أشكالها، وندعو إلى ضرورة احتضان فناني الشارع، وتهييء الظروف اللازمة لإبراز مواهبهم ونفض غبار الرتابة عن مدننا وتجميل فضاءاتها، ونطالب أن يحظوا بعناية خاصة على غرار المعمول به في دول أخرى، والاستفادة من الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية وتأمين الدعم المالي المناسب، لإخراجهم من دائرة التهميش والإقصاء…

شارك برأيك وأضف تعليق

آخـــــر الــتــــدويــنـــات

الجديدة اليوم 2018 ©