Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
--
--

أنييس فاردا السينمائية والمرأة القدوة

أنييس فاردا السينمائية والمرأة القدوة

مراكش: خالد الخضري 

بمجرد ذكر اسم المخرجة الفرنسية أنييس فاردا، تتبادر إلى الذهن “الموجة الفرنسية الجديدة في السينما” التي ظهرت في مستهل النصف الثاني من القرن الماضي على يد مجموعة من شباب سينمائيي تلك الفترة على رأسهم: فرانسوا تريفو- جون لوك غودار- كلود شابرول – جاك ر يفيت – إيريك رومر- وأنييس فاردا كأنثى وحيدة وسط هذه الموجة الذكورية التي خلفت أفلاما لا تزال تعتبر جداريات متميزة في خريطة السينما الأوربية بل والعالمية.. ولو أن أنييس فاردا استطاعت أن تمزج بين مختلف المدارس السينمائية السائدة آنذاك “مضيفة إليها لمسات مليئة بعناصر البهجة الممتعة إلى أقصى حدود الفرادة في التقاط الشخصيات والوقائع” على حد تعبير الزميلين جميلة عناب وسعيد منتسيب في الصفحة السينمائية لجريدة (الاتحاد الاشتراكي) بتاريخ: 19/20 مارس 2016
مناسبة هذه الورقة، تكريم هذه المخرجة التي احتفلت هذا العام بعيد ميلادها التسعين (ولدت سنة 1928) في الدورة 17 للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش.. هي امرأة – رغم صغر حجمها الفيزيولوجي – ذات وزن سينمائي كبير وثقل فكري وإنساني مذهل.. امرأة مفعمة بالحياة وحب الحياة لأنها لاتزال تنظر إلى الأمام دون أن تقصي الماضي او تتنكر أو تأسف على انصرامه.. وجل أفلامها يعكس هذه النظرة التواقة إلى الغد رغم سوداوية عدد منها واندحار أبطالها أو بالأحرى بطلاتها، إذ أن كثيرا من شخصيات فاردا نساء شابات: (بدون سقف ولا قانون) وعجائز: (جدار جدران) ومشردات: (مشردون) … كما أنها لم تدرس السينما في معهد من معاهدها بل جاءت إليها عن طريق التصوير حين ذهبت إلى ميناء (بوانت كورت) لتصوير صديق لها مصاب بمرض عضال غدا بسببه عاجزا عن زيارة قريته، فصورت هناك فيلمها الأول عن زوجين يعانيان مشاكل زوجية مطلقة عليه اسم الميناء المذكور سنة 1954.. مكسرة به قواعد السينما الكلاسيكية تصويرا، مونتاجا وسردا.. وبفضله حصلت على تأشيرة المرور أو بالأحرى امتطاء الموجة الفرنسية الجديدة.
أنييس فاردا مرتبطة بالواقع الاجتماعي الفرنسي لحد ا، حيث تتأرجح أفلامها بين الروائية والوثائقية مع طغيان العنصر الوثائقي حتى في صلب أفلامها الروائية. كما أنها ذات ارتباط قوي بمشاكل النساء العوانس منهن والمسنات والمشردات… لعل أبرز مثال لهذه العينة الأخيرة
فيلمها: (بدون سقف ولا قانون) الذي حصلت به على الجائزة الكبرى “الأسد الذهبي” في مهرجان البندقية الدولي للسينما – افتح عارضة هنا انطلاقا من حيث العنوان الفرنسي لهذا الفيلم، إذ أنه يروقها اللعب بالمصطلحات وبشكل إيجابي فاعل في تركيبة الفيلم وليس مجانيا من باب التلاعب فقط، حيث تعتمد السجع في عناوين بعض أفلامها، باللغة الفرنسية طبعا.. دون اعتماد واو العطف حتى تعطي لكل مصطلح قوته ودلالته.. فهكذا حلت عناوين: (جدار جدران) Mur Murs – – و(وجوه وقرى) – Visages Villages – ثم (بدون سقف ولا قانون) – Sans toit ni loi- الذي يروي قصة شابة متشردة – مُنى – تقطع مسافات طويلة في الريف الفرنسي على رجليها بحثا عن ملجأ يأويها وقانون يحميها.. فمرة تقلها امرأة برجوازية في سيارتها.. ومرة عاملة تنظيف… وبالرغم من أن منى امرأة عديمة الأهمية، فأنييس فاردا جعلت منها بطلة حتى بعد موتها حين تم العثور على جثتها في حفرة في المشهد الذي به يبدأ الفيلم.. والذي سيسرد لنا حكاية هذا الشابة المشردة عبر الفلاش باك.. فمُنى وعلى حد تعبير فاردا في مجلة أمريكية سنة 2009: “استمرت تؤثر على الأحياء حتى بعد موتها.. ونحن جميعا نحمل في دواخلنا بشكل ما، امرأة من صنف منى، امرأة تسير وحدها على الطريق”.
ورد في كاتلوغ مهرجان مراكش الدولي للفيلم: ” تبقى الحياة بالنسبة لأنييس فاردا مصدرا للإلهام.. ومن هنا استحالة تفادي المعاناة.. بيد أنه تنبغي الملاحظة أنها تقاوم العدمية وتستخدم الشجن كنقطة لإحداث التوازن وقياس الفرح، مما يوحي بازدواج الإثنين في انسجام أو على الأقل في علاقة تضافر، إذ لا يمكن أن نفهم أحدهما بدون الآخر..”
أنييس فارا رغم تقدمها في السن لا تزال تتمتع بذهن متوقد.. ورغم سوداوية ما ومن أطرته كاميراتها، لا تذكر الماضي للتواكل أو التباكي، لكن للانطلاق نحو عمل جديد.. إنها تعيد تحديد معالم الماضي لتعيد تكييفه مع الحاضر.. إنها تنحو دائما وبشكل ملموس نحو استكشاف العالم الخارجي وبشكل مستمر.. أنييس فاردا في البدء والمنتهى: سينمائية متمكنة.. وامرأة قدوة…

شارك برأيك وأضف تعليق

آخـــــر الــتــــدويــنـــات

الجديدة اليوم 2018 ©