Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
أخر تحديث : الأربعاء 10 يوليوز 2019 - 12:44 مساءً

إنسان غابت فيه الإنسانية.

بتاريخ 10 يوليو, 2019
إنسان غابت فيه الإنسانية.

(إلى الإنسان صلاح الوديع)
كتب : عماد العدراوي

1
“المدينة العالم” كما أسميها دوما،
وفي أوج خضم ضجيجها المزعج وغيماتها السوداء تطلع شمس الله عليها،
أي بلغة الأعراف الكلاسيكية الخالدة:
“إن الله يبعث على رأس كل مئة عام لهذه الأرض من يجدد لها كونيتها (الإنسانية).”
2
بعد نزولي من (الطرام (Tram ،
كانت تتقدمني خطواتي وهي تقودني إلى مكان مألوف وليس بمألوف.
ثمة مفاهيم متناقضة أتعايش معها وأنا أعيش كل يوم انتحارات متعددة، أموت لحظة وأحيى لحظة.
)فأنا بين بين، والعاقبة للمنتحرين(.
3
في مشهد أريستقراطي، كلاسيكي وجلسة خاشعة لمتصوف يعيش خلوته ولا تفصله عن الله إلا أصابع ملك نوراني يخدم الإنسانية، يتيه الإنسان صلاح الوديع في متاهات العالم بقراءة نقدية ويقرأ كتابا، ويحمل في قلبه قضية:
 كتاب بعنوان Toute l’histoire du monde
 يضع على الكتاب علم فلسطين،
هذا النوع من الكتب من أركان أحمق خطا طويلا في بيد حتى تقطعت نعله، وهذه القضية لا يرافع عنها إلا إنسان جلد.
4
متفردا يعيش غرابته وغربته في وسط المألوف، وبما أنني أحب هذا النوع من الحمقى والغرباء، جالسته لفترة قصيرة، لكن كانت غنية بالحوار، بالحب وبالمعرفة.
أنا لا أومن بالوقت كمفهوم مطلق وعدم رجعيته بالمفهوم البولتماني BOULTZMANIEN، وإنما أحب النسبية LA RELATIVITE .
 الحوار: مجمل آهات الحياة جمعناها في لحظة،
 الحب : شوق يخيم على زحمة الفضاء ويوسعه حسب مبدأ طوبولوجي صرف،
 المعرفة : حديث طويل عن الأدب والفكر بأبعادهما.
5
أول ما عرفت هذا الأغلى جدا صلاح الوديع، كنت آنذاك في الباكالوريا، وقرأت له رواية (العريس).
رواية مخضبة بالعنف والدم وانتهاك للإنسان في أبعد تجلياته، تاريخنا تاريخ مليء بالدم.
رواية أثرت في كثيرا، وخلقت لي نقطة انعطاف سيكولوجي (Point d’inflexion psychologique) عميقة جدا.

استدرك حديثي هذا الأحمق (صلاح الوديع طبعا) :
– كيف أثرت فيك وأنت في ذلك السن؟ وكيف تقرأ هذا النوع من الكتب في سن مبكرة؟
كان ردي:
– أعيش نوعا من القلق الفكري والسؤال وأنا في سن مبكرة، وهذا هو ثمن المعرفة.
6
إخبار ليس منه بد :
أخبرته أولا أنني أكتب رواية على وشك النهاية، وحدثته قليلا عن حبكتها، فقال لي: لك خيال خارق؛ وأرشدني أن لا أنقطع عن الكتابة.

كنت مطيعا له وحبذت كلامه العسلي بكلامي:
(كل يوم نعيش انتحارات متعددة، وأصعب انتحار: هو أن نتوقف عن الكتابة والقراءة).
أخبرته ثانيا أن لي كتاب (عليك بهؤلاء الحمقى)، فقاطعني:
– من هؤلاء “الحمقى”؟
فقلت:
– أصحاب القلق الفكري والمعرفي، الفئة المفعول بها من لدن الأقلية الفاعلة.
7
في برهة، نوهت له عن برنامج تليفزيوني بث ليس بعيدا رفقة أستاذ جميل في علم الاجتماع (ج. ف)، وقلت له في شهادة بطريقة الكبار وأنا شاب:
(سيكون له شأن عظيم في السوسيولوجيا).
فقال لي بعبارة عامية: (هذاك الولد واعر).
8
أخيرا، أخذ الأحمقان سيلفي في منتهى الجمال، وذهب كل منهما نحو متاهته.