أخر تحديث : الإثنين 29 يوليوز 2019 - 6:27 مساءً

الثقافة بين التعددية والحرية

بتاريخ 29 يوليو, 2019
الثقافة بين التعددية والحرية

ياسين نشاط

إن التعددية الثقافية في وقتنا المعاصر تحظى بكثير من الإلحاح عليها ، فذلك هو كثيرا ما يدعي او يتطلب من الأطر التنظيمية الكفيلة على الوضع العام ان تقوم بتعديل السياسات المتزمتة وفتح مجالات للتعدد الثقافي والسياسي ، هذا ما يفرضه قانون الكون في ظل العلاقات الانسانية ، فهذا لا يثير الدهشة اطلاقا بقدر ما هو طبيعة ملحة يفرضها السياق المجالي للكون ، والذي يبرز من خلال الزيادة والتكاثر في العلاقات والتفاعلات الاجتماعية الكوكبية الشاملة ، ذلك بانفتاح الافراد والعالم نتيجة الهجرات الواسعة على الأخص ، مما يستدعي ممارسات متنوعة للثقافات المختلفة والقريبة منها على جوار، ذلك يظهر من خلال المحادثات وطريقة التصرفات التي تنشأ عن إعجاب او حب الاخر بكون ثقافته مختلفة وخلق علاقات تشابكية مبنية على ترابط وتعاملات صرفة فيها أخذ ورد .
إن شأن هذا الحب الذي خلق من اتساع الهوة بين الثقافات هو نفسه يدعو الناس بشكل غير ظاهر الى الاهتمام بأنواع شديدة التنوع والاختلاف .
إن طبيعة العالم المعاصر الان عالم ذو صبغة عولمية لا تترك هفوة لتجاهل الاسئلة الصعبة التي تثير التعددية الثقافية ، هذه التعددية تفرض علينا أن ننظر اليها من زاويتين مختلفتين، لكل زاوية ملمح أساسي :
فالملمح الاول يزكي ويرقي التنوع والتعدد كقيمة في حد ذاته ، لكون ذلك يفرض بالضرورة الى فتح مجالات جديدة. للعلاقات الانسانية والبحث في ذلك على ارقى نموذج ثقافي ، او التحيز من ثقافة الى الثقافات الاخرى لبناء قوة اجتماعية واسعة وشاملة وهذا يحتم على الفرد القبول واعتبار الثقافات الاخرى كونها تساهم في بناء هويات الافراد بشكل اختياري وحر نسبي.
أما بخصوص الملمح الثاني يركز على حرية التفكير وصناعة القرارات ، الذي يحفل بالتنوع الثقافي ما دام الافراد المعنيين بالاختيار بقدر من الحرية قدر الامكان ، كون هذا الملمح يفرض علينا سياقات خاصة لتقييم هذه الممارسات التعددية والتنوعية الثقافية اليوم ، لكن عموما يمكن ان نستقي ذالك نظريا وعامة ان للأفراد قابلية على الخوض في الثقافات المتنوعة وقبولها بشكل غير مفروض عليهم كالمغرب مثلا (ثقافات اللباس ونوعيتها ، المأكولات وبعض المشروبات ….)، نلاحظ هناك تعددية ثقافية مقبولة ومعاشة ذلك نظرا للتعمق العولمة كما أشرت سابقا ، الى ذلك ويبقى الخلل هو كيفية تصنيف هذا الخليط المتنوع من الثقافات داخل مجتمع واحد ، يمكن من خلاله الوقوف عند الثقافات الاصل الموروثة قديما خصوصا منها الدينية، وهذا يؤصل الثقافة الأصلية ويكشف على الثقافة الدخيلة ، وينظر الى الأولى كونها هوية غير مختارة وثابتة ، والثانية ننظر إليها على أنها هوية مختارة .
اذا ما كانت الاولى موروثا قديما يمرر عبر الاجيال وكونه لا يموت ، فإن الثانية حصيلة تفاعل مع الاخرين ، وليس بالضرورة أن يكون التنوع الثقافي منحصرا في ثقافات خارج المجتمع قد تكون في نفس المجتمع.
أن ذوي الهوية غير المختارة لها أولوية آلية على جميع الانتماءات الاخرى الخاصة بالسياسية والمهنية والطبقة والنوع واللغة والآداب والمجتمع ، وعلاقات أخرى كثيرة، وينبغي أن نفهمهم بوصفهم أشخاصا لهم انتماءات وعلاقات عديدة يختارون هم بأنفسهم أولوياتهم من ضمنها، فيكونون مسؤولين على بناء الاختيار المنطقي ، لكن هل ينبغي ان نقوم بإقامة عدالة التعددية الثقافية بمدى ترك الناس من خلفيات ثقافية مختلفة في حالهم ، أم بالمدى الذي تدعم به قدرتهم على عمل اختيارات منطقية من خلال الفرص الاجتماعية الخاصة بالتعليم والمشاركة في المجتمع المدني والعمليات السياسية والاقتصادية الجارية في البلاد .
ختاما ، لا يسعني القول أن الثقافة بين التعددية والحرية ، هي فعلا ضرورة من أجل الارتقاء بالعلاقات الانسانية ، مادام فيها حرية فهي تضمن قبول الآخر ميكانيكيا وتحدّ من الصراعات العنصرية وكذا باقي مختلف التضاربات والتطاحنات .