أخر تحديث : الثلاثاء 13 غشت 2019 - 12:37 مساءً

عيد في مدينة الأسد

بتاريخ 13 أغسطس , 2019
عيد في مدينة الأسد

“محلى يفرانو.. محلى جمالو…”   

  نورس البريجة: خالد الخضري     

 1 – مدينة بلا روث ولا دم         

  اغتناما لعطلة إدارية تقارب الأسبوع – ضمنها عطلة عيد الأضحى – قررت والعائلة الصغيرة قضاءها بمدينة الأسد ،  إفران لتغيير الجو من جهة.. ثم لمنح “العيد” مذاقا آخر غير ما تعودناه مما هو مرتبط بطقوس الذبح والنفخ والسلخ وإراقة الدماء أمام أطفال أبرياء، كثير منهم يألف الخروف ويرتبط معه بعلاقة شبه عائلية.. ثم.. صبيحة العيد وهو يزهو في ثيابه الجديدة، وجيوبه مملوءة بما ينفحه به الأهل من حلويات وقطع نقدية، يقف للتفرج ببرودة بل وبابتهاج (غير بريء)، على مجزرة ذلك الخروف الذي كان حتى ليلة سابقة يسقيه ماء ويطعمه قبل أو برسيما!!  فكانت الوجهة إفران حيث آثرنا – كعدد كبير من سكان وزوار المدينة – اقتناء الخروف وذبحه  تحت خيمة من خيام بدو رحل يبيعون بعض المواشي من كسيبتهم (الخروف والجدي خصوصا) وهم من يتكفلون بذبحها وسلخها وأيضا تقطيع لحومها، ليتسلمها صاحبها نظيفة كاملة دون تلك المعاناة التي يسببها ذبح الخرفان في المنازل، لا سيما في المدن سواء فوق السطوح أو ببراحاتها.. وما يتلو ذلك من رمي نفاياتها من روث وأمعاء ودماء في الشوارع أو في البالوعات وتخيلوا البقية…               2 – مدينة بلا أغطية بالوعات

     أما الطامة الكبرى هي ما يعيثه بعض شباب المدينة من أوساخ وقاذورات وروائح كريهة بشيهم للرؤوس وكوارع الغنم في شوارع المدن المغربية،  مشعلين النيران في الأخشاب.. وأغصان  شجر.. وإطارات عجلات السيارات.. كما يتدنى الدرك بكثير منهم إلى شواء هذه الرؤوس فوق القضبان الحديدية التي تغطى بها بالوعات صرف الواد الحار ومياه الشوارع.. وقد رأيت ذلك بعيني السنة الماضية في مدينة سلا وكتبت عنه مقالا بعنوان: ” أطفال الكوارع” لمن أراد الرجوع إليه في هذه الصفحة.. فكم سيارة انفجرت عجلتها بسبب الحفرة التي تجرد من غطائها الحديدي ولا تعود إليه..؟! بل وصدقوني متى أقررت أن حارس سيارات بهذه المدينة سقط بكامله في بالوعة وهو يتراجع إلى الخلف لمساعدة  سائق على ركن سيارته، اعتقادا منه أنه سيطأ بالوعة مغطاة ألفها.. فهوى فيها بكامله لجهله أن شباب الحي استعملها مشواة عمومية!! كما تتحول بعض الأزقة إلى ركام من(بطاين) الخرفان  المقززة بدمائها وروثها.. وقرون وشعر ووبر متفحم وأظلاف الغنم… ناهيك عن الدماء المتخثرة وما تجمعه من حشرات وميكروبات وروائح عطنة…. قرأت أمس في موقع “نون بريس” أن جماعة  طنجة منعت شي رؤوس وكوارع خرفان عيد الأضحى بالشوارع.. ولعمري إن هذا لإجراء حضاري ومسؤول حبذا لو طبقته سائر الجماعات المغربية. لأن ما تخلفه هذه العادة الهمجية بمدننا، والتي غذت “عاهة”، لشيء يندى له الجبين ويعود ببلادنا إلى عهود لا تاريخ لها…

     3- مدينة نظيفة                                             إفران، وعلى الأقل في قلبها حيث يربض أسدها  الأسطوري في دعة وسكينة، تشكل   استثناء جميلا وسط هذا القطيع المتوحش من كانيبلات الشوارع… إلى درجة تكاد تخالها مدينة أوربية..  إذ لا أثر فيها لكل ما هو مشين مما ذكر… الشيئ الذي أحالني على مدينة إسطنبول التي قضيت بها عيد الأضحى سنة 2014 بحيث لم أسمع بها ولا ثغاء خروف واحد.. ولا شاهدت دما مسفوكا أو متخثرا بالشوارع.. ولا رأيت (بطانة) مرمية يحلق فوقها الذباب.. ولا حتى شممت رائحة شواء تضوع في الهواء..  رغم أن الأغلبية الساحقة من سكانها مسلمة تحتفل بعيد الأضحى إنما بقواعده الإسلامية الكريمة وعلى رأسها “النظافة” حيث يذبح جميعهم  أضحياتهم بالمجازر البلدية.. ولا يجلبون معهم منها إلا ثلثها، إذ يتبرعون بالثلثين للمستشفيات العمومية والجمعيات الخيرية  ودور العجزة والسجون إلخ… هذا هو دين نبينا الكريم وديدنه..  فاقتدوا به على الأقل من حيث النظافة “وبصحتكم الحولي” من  أخمص “فراقشه حتى قمة قرونه” ودعوا على الأقل مدنكم نظيفة كما هو شأن مدينة الأسد.. هذه التي تنعم بليالي صيفة منعشة.. وشوارع مجلوة..  وجداول رقراقة .. وأغصان وارفة تذكرك وأنت  تخطر على أديمها بما شدا به الفنان الراحل إبراهيم العلمي في ستينيات القرن الماضي ولا تزال الأغنية تحتفظ برونقها وعذوبتها وهو يردد: ((محلى يفرانو محلى جمالو.. محلاها عشية ما بين غصانو.. وانا وحبيبي عايش فرحان.. ما بين سواقي واشجار وويدان… ))

 إهدا: إلى السيدين سامي وعادل / إفران..  وإلى “الأخ رياض” حفيدي الجميل