أخر تحديث : الأربعاء 30 أكتوبر 2019 - 11:44 صباحًا

أين نحن من ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ !

بتاريخ 30 أكتوبر, 2019
أين نحن من ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ !

اسماعيل الحلوتي

ثبت بما لا يدع مجالا للشك في العديد من المواقف والمناسبات أننا نحن المغاربة من بين الشعوب العربية الأكثر انسياقا خلف عواطفنا، وانبهارا ببريق بعض التعابير والمصطلحات التي تلامس قلوبنا قبل عقولنا، خاصة منها تلك التي تكون ذات حمولة أخلاقية أو قانونية، من قبيل الشفافية والنزاهة والحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد والاستبداد وربط المسؤولية بالمحاسبة. مما جعل السياسيين من مختلف مشاربهم، يحولونها إلى شعارات موسمية لدغدغة المشاعر والتلاعب بالعقول في التجمعات الحزبية والحملات الانتخابية.
ويهمنا هنا في هذه الورقة الحديث باقتضاب عن مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، الذي يعد من أهم مرتكزات دستور 2011، ويأتي في المقام الرابع من الفصل الأول بعد الحكامة، الديمقراطية المواطنة التشاركية وفصل السلط. وهو الأكثر تداولا بين المواطنين وأقوى حضورا في الخطب الملكية، التي ما فتئت تشدد على وجوب تفعيله، لما له من آثار إيجابية على المجتمع في الدفع نحو الارتقاء بجودة الخدمات وتدبير الشأن العام.
فعلى مدى سنوات طوال والمواطنون يتلقون عبر وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، سلسلة من الأخبار عن بعض الفضائح وتبذير المال العام وسوء التدبير وتعدد الإخلالات التي تستوجب المساءلة، فضلا عما باتت ترسمه تقارير المجلس الأعلى للحسابات السنوية من صور قاتمة، سواء ارتبط الأمر بافتحاص جماعات ترابية أو مؤسسات عمومية، دون أن يواكبها للأسف ما يلزم من إجراءات جريئة، إن بفتح تحقيقات حول الخروقات المرصودة أو عبر متابعات قضائية. وهو ما أدى إلى التشكيك في مدى جدية هذه المؤسسة الدستورية الواسعة الصدى، المشكلة من قضاة مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والمصداقية والحزم والحياد في معالجة الملفات. وترصد لها ملايين الدراهم من المال العام للقيام بدورها في تأمين المراقبة العليا على تنفيذ القوانين المالية، والتأكد من سلامة عمليات المداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لرقابتها، ومعاقبة عند الاقتضاء أي تقصير في تطبيق القواعد المنظمة لتلك العمليات.
والمشرع المغربي لم يأت بمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” جزافا، ولم يجعل المحاسبة تقتصر فقط على المخالفات المرتبطة بالجانب المالي في القطاعات العمومية وغيرها، بل أرادها أن تمتد أيضا إلى ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي، وتحديد مواطن الخلل وتداعياتها على صرف المال العام ونوعية الخدمات العمومية، حيث يمكن أن تكون الأضرار المعنوية أكثر فداحة على سمعة الدولة ومصداقيتها ومكانتها في المجتمع الدولي، وتحول دون جلب وتحفيز الاستثمار. لذلك أبى القانون إلا أن يندرج هذا المبدأ الدستوري القيم في إطار التصدي لكل أشكال الفساد، والرشوة، والمحسوبية، والوساطة، وتبديد المال العام، والاختلاس، واستغلال النفوذ، والإخلال بالواجب، وخيانة الأمانة، واستغلال الممتلكات العمومية والشطط في استعمال السلطة…
فلا غرو أن نجد ملك البلاد محمد السادس حريصا على تطبيق فصول الدستور في كافة المناسبات، وطالما شدد في خطبه خلال السنوات الأخيرة على ضرورة تفعيل مقتضياته بشكل سليم، لاسيما منها “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، إذ دعا في خطاب الذكرى الثامنة عشرة لاعتلاء العرش، جميع المسؤولين على اختلاف مستوياتهم إلى تحمل مسؤولياتهم كاملة أو تقديم استقالاتهم، وبدا واضحا أن صبره عليهم انقضى وضاق ذرعا باستهتارهم وانشغالهم عن قضايا الوطن وهموم المواطنين بتبادل التهم، والتهافت على المناصب والمكاسب، وتصفية الحسابات الحزبية والذاتية الضيقة، مذكرا إياهم بأن المغاربة سواسية أمام القانون دون استثناء أو تمييز. ولم يعد مقبولا السكوت عن تلك الممارسات الرعناء التي أدت إلى انكسار جسر التواصل وفقدان المواطنين الثقة في السياسيين، وتكريس النفور من الانخراط في العمل السياسي والعزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
إن ما بات يغيظ المغاربة اليوم ويستفزهم، وأصبح يثير جدلا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، أنه في ظل تصاعد موجة الاحتجاجات بمختلف المناطق المغربية وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي، جراء تعاظم الغلاء الفاحش أمام ضعف القدرة الشرائية وهزالة الأجور وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتدني مستوى الخدمات العمومية في الصحة والتعليم ونهب ثروات البلاد وتهريب الأموال العامة وارتفاع معدلات الفقر والأمية والبطالة وتفاقم الهجرة السرية واتساع دائرة الفوارق الاجتماعية والمجالية واستشراء الفساد والاستبداد… تتوالى في المقابل تقارير المجلس الأعلى للحسابات طافحة بالتجاوزات الإدارية والجرائم المالية، كاشفة بالأرقام والمعطيات والدلائل عن حجم الفساد، الذي يكبد البلاد خسارات فظيعة، تقف دون القيام بالإصلاحات الكبرى، خلق فرص الشغل وتسريع وتيرة التنمية، تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين عيش المواطنين.
إنه لم يعد مستساغا أن يتم في بلد غارق في مستنقعات المديونية ويعاني من اختلالات عميقة، الاكتفاء بإقالة موظفين كبار أو وزراء دون جزاءات عند ثبوت تورطهم في تعطيل تنفيذ مشاريع تنموية أو إثر تعديل حكومي لضعف أدائهم أو إتيانهم أفعالا ترقى إلى مستوى خيانة الأمانة من حيث إهمال مصالح المواطنين وحرمانهم من حقوقهم. واستمرار استفادتهم من “معاشات ريعية” والسماح لهم بالترشح من جديد في الانتخابات وتقلد مناصب المسؤولية. وإلا فما جدوى وجود دستور قيل عنه بأنه يضاهي دساتير البلدان الديمقراطية، إذا لم نعمل على أجرأته في اتجاه تجاوز الأعطاب المتراكمة؟ وهل من المقبول أن تتحول هيئة عليا للمراقبة العمومية، أسست لتدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة والشفافية والمحاسبة، إلى مجرد هيكل بدون حرارة؟ فالعبرة ليست بالكشف عن “المسروق”، وإنما في إعادته إلى أصحابه وتقديم اللصوص للعدالة.