أخر تحديث : الخميس 31 أكتوبر 2019 - 2:58 مساءً

حتى لا ينسى التاريخ كل فاسد لم يذق “تراب الماس”

بتاريخ 31 أكتوبر, 2019
حتى لا ينسى التاريخ كل فاسد لم يذق “تراب الماس”

 نورس البريجة: خالد الخضري

من أهم الأفلام المقتبسة عن أعمال أدبية التي عرضت في الدورة 1 للمهرجان الدولي للسينما والأدب المنظم بآسفي حاليا، فيلم (تراب الماس) للمخرج المصري مروان حامد عن رواية لأحمد مراد.. بطولة: منة شلبي، صابرين، شيرين رضا، آسر ياسين، عزت العلايلي، ماجد الكدواني، محمد ممدوح، أحمد كمال… وهذا ثان عمل سينمائي يجمع بين المخرج مروان حامد والكاتب أحمد مراد بعد فيلم (الفيل الزرق) المقتبس عن رواية بنفس العنوان لنفس الكاتب والفيلم لذات المخرج سنة 2014.
1 – حب من رحم جريمة
ورد بملخص الفيلم:”طه حسين، شاب يشتغل في إحدى الصيدليات ويعيش مع والده القعيد الذي كان يعمل مدرسًا للتاريخ. ذات يوم يعود طه من عمله ليجد أن والده تم قتلة في ظروف غامضة.. ومع الوقت يكتشف أسرار مظلمة لم يعلمها من قبل عن حياة والده من خلال مذكراته التي خلفها وراءه، مما يفتح أمامه عالمًا كبيرًا من الفساد والجريمة لم يكن يعلم بوجوده”.
من الوهلة كما المشاهد الأولى يتبين أننا أمام فيلم بوليسي تشويقي يهيمن عليه التجسس والحذر والترقب والجريمة، لكنها جريمة مرغوب فيها من طرف مرتكبيها كما من المتفرج عليها، أي المشاهد الذي يرغب في الانتقام في بلد لا زال فيه الضعيف يرزأ تحت رحمة القوي، فلا يملك هذا الضعيف الضحية لا هو ولا من يعلم بهذا الجبروت والظلم، غير السكوت إلى أن يضحي هذا السكوت نفسه جريمة. في أحد الحوارات يقول والد البطل المقعد حسين الزهار الذي يراقب الظالمين من بعيد بواسطة منظار مُقَرِّب لولده طه:
«يا ابني لا فساد يمر أبدا دون عقاب، واحنا مش لازم نسكت، فـالسكوت جريمة ولازم الناس اللي تحت تراقب الناس اللي فوق». وهكذا ينتقم من الفاسدين بدس غبار الماس في مشروباتهم ليصابوا بأورام لا يجدي معها علاج إلى أن ينفقوا، دون أن يدرك أحد أنهم ضحايا تسمم. وهو سلاح جهنمي تعلمه من اليهود الذين كانوا يتاجرون في المجوهرات في القاهرة بالخصوص والذين هاجر كثير منهم لإسرائيل فور العدوان الثلاثي وما تلاه من هزات وحروب لا سيما حربي 67 و73. والفيلم يبدأ بثورة الضباط وتولي جمال عبد الناصر الحكم، حيث دام التصوير باللونين الأسود والأبيض لمدة طويلة اعتمد فيها المخرج على لقطات وثائقية حية بنفس اللونين لعبد الناصر وبعض خطاباته على رأسها خطاب التنحي الشهير فور هزيمة 67.. الشيء الذي منح الفيلم قوة تعبيرية فاعلة.
وهكذا يتبع الابن الضعيف خطى الوالد الأضعف جسديا ولحد الشلل، والقوي فكريا، ليصفي بهذا التراب الناسف الفاسدين والقوادين والشواذ والسياسيين الخونة أمثال البرلماني محروس برجاس (أدى الدور بكفاءة مهنية عالية الفنان عزت العلايلي بعد غيبة عن السينما دامت 17 سنة حيث كان آخر فيلم مثل فيه سنة 2001).. كما يصفي رجال الشرطة المفسدين والمرتشين على غرار العميد وليد سلطان (ماجد الكدواني) الذي كان يحقق في جريمة قتل والد طه، ليكتشف هذا الأخير ونحن معه أن العميد نفسه هو مدبر هذه الجريمة البشعة ومنفذها بواسطة البلطجي الثخين الملقب بالسرفيس (محمد ممدوح).. بل تمتد عدوى العدالة الشخصية المدمرة بتلك الوسيلة الجهنمية إلى أن تطال المجال الإعلامي حين تلجأ مخرجة برنامج شهير (منة شلبي) إلى تصفية زميلها بعد اغتصابه لها شر اغتصاب ورميها في الشارع ككلبة، دون أن ينصفها القانون لانعدام الأدلة والشهود… وهكذا يولد حب من رحم الجريمة وينتهي الفيلم بشعور بالنصر لكنه نصر مُرُّ المذاق لانغماسه في الدم. فيأخذ الحبيبان “المجرمان” واللذان نتعاطف معهما، بكفَّيْ بعضيهما ويمضيان في طريق معتم نسمع نحن عبر امتداده في مجرى الصوت الخارجي، هذه العبارة الشافية للغليل والمبررة بشكل أو بآخر سلوكهما: “حتى لا ينسى التاريخ كل فاسد لم يذق تراب الماس”.
2 – جو معتم وتركيبة ثلاثية
صورت أغلبية مشاهد الفيلم – وبنسبة 80 في المئة تقريبا – في الليل أو غسق الفجر ذي الزرقة الضبابة وعتمة المنازل العتيقة التي تتكدس فيها الأرائك الكلاسيكية.. والكتب المصفرة.. والستائر الحاجبة للضوء.. كما في الفضاءات المنغلقة: مكتب الأب الكسيح.. داره.. الصيدلية.. استوديو التلفزيون.. بعض أقبية شوارع القاهرة الفاطمية المقفرة فجرا، حين يتكدر صفو “الصلاة خير من النوم” بدم الغدر والجريمة.. وبظلم الخيانة.. وقهر الاغتصاب… كما في خلاء المقابر حيث لا معز ولا مشيع سوى نعيق الغربان وغبار الأجساد التي تمت تصفيتها سواء بأسلحة بيضاء ونبابيت أو بتراب الماس… حتى ملصق الفيلم لم يسلم من هذه المأساوية حيث هيمن اللون الأزرق الداكن، الكاتم على النفس.. بينما خُط عليه العنوان باللون الأحمر القاني، لون الدم.
وهكذا ساهم الاختيار المحكم لهذه الديكورات المغلقة والمعتمة في شحن الجو العام للفيلم بنوع من التوتر والانقباض المشوق كما الخوف من الآتي رغم التطلع إليه. ساهمت في تفعيل هذه المشاعر موسيقى هشام نزيه الذي تفنن في تأليف الموسيقى التصورية لعدد من الأفلام المتميزة منها فيلم نفس الثنائي المؤلف والمخرج (الفيل الأزرق) – (سهر الليالي)- (الساحر) محمود عبد العزيز و(هستيريا) مع النجم الراحل أحمد زكي. ومن المسلسلات: (السبع وصايا) – (نيران صديقة) و(أفراح القبة)… حيث تميز في موسيقى فيلم (تراب الماس) العزف الشجي للكونترباص المفضي إلى الانقباض والترقب زائد الإيقاع الغربي المزعج المحيل على توتر البطل وسخطه الدفين…دون نسيان نعيق الغربان كمؤثر صوتي محيل على أول جريمة قتل في التاريخ بين قابيل وهابيل، كما شرح والد طه لهذا الأخير حين سأله الابن عن سر علاقته بهذا الغراب الذي يزوره بانتظام في شرفة البيت؟ فكان الغراب أول وآخر المشيعين له في المقبرة حين توفي.
من أهم العناصر التي أسندت هذه الرحلة المأساوية في عالم الفساد والقتل والانتقام، وفي نفس الوقت الممتعة في عالم السينما، تركيبة ثلاثية تخص عنصر التشخيص الذي تكفلت به باقة من ممثلي الجيل الأول للكبار ذوي العيار الثقيل أمثال عزت العلايلي الذي لم ينبس إلا بعبارات مقتضبة وظهر فقط في مشهدين لكنه كان ذا وجود كاسح على الشاشة. تليه من الجيل المخضرم صابرين في دور عمة طه وأحمد كمال في دور الأب المقعد.. فالجيل الجديد أمثال البطل آسر ياسين في دور طه حسين، ومنّة شلبي الصحفية التلفزيونية ومحمد ممدوح البلطجي أو الفتوة السفاك “السرفيس”… حيث ران على أداء ومحيّا معظم هؤلاء الانقباض.. والغضب.. والتوتر… فنادرا ما زغردت فرحة ولا جلجلت ضحكة صافية أو برقت ابتسامة أمل… فجعلنا المخرج السيناريست نعيش مع هؤلاء نفس الحالات المومأ إليها من الشعور بالانقباض والترقب المخيف. لكن دون أن تحول هذه السوداوية واستمتاعنا بفيلم أقل ما ينعت به، أنه منجز بطريقة احترافية ومقنعة.