-- -
--.

عبد الرزاق بن شريج : منظومتنا التعليمية تسير في الاتجاه غير السليم

عبد الرزاق بن شريج : منظومتنا التعليمية تسير في الاتجاه غير السليم

س 1 = انطلقت لجنة إعداد مشروع النموذج التنموي الجديد، كيف ترون ضرورة فتح نافذة أو نوافذ على قطاع التربية والتعليم ضمن هذا المشروع التنموي؟

ج= قبل الإجابة عن سؤالكم، يجب الحسم في سؤال قبله، وهو: هل يوجد أصلا “النموذج التنموي قديم”؟
فالمتعارف عليه أن المغرب اعتمد مخططات جاهزة أعدتها مكاتب الدراسات والخبرة، في حين تصاغ النماذج التنموية لكل دولة بشكل تراكمي انطلاقا من مراجعة وتحيين وتطوير البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي القائم، بما يخدم متطلبات المجتمع. وبذلك، فالمغرب درج على اعتماد مخططات تنموية غير متكاملة وغير منسجمة في منطلقاتها وأهدافها، فنتج عن ذلك العديد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وربما قد تنجح اللجنة الحالية في إعداد نموذج تنموي مغربي خالص، وبذلك تكون على الأقل وضعت القطار على السكة؛
وبالعودة إلى سؤالكم، أرى أنه لا يوجد أي مفكر أو مهتم يشكك في أهمية الرأسمال البشري باعتباره مرتكزا أساسيا لأي نموذج تنموي، وبذلك فالمكان الطبيعي لبناء البشر وتكوين المواطن هو المدرسة، فالخطاب الملكي حول مهام اللجنة يقول: “اقتراح الآليات الملائمة، للتفعيل والتنفيذ والتتبع، وكذا المقاربات الكفيلة بجعل المغاربة يتملكون هذا النموذج، وينخرطون جماعيا في إنجاحه”. فما أفهمه من هذا الكلام، بحكم اشتغالي بالتربية والتكوين، هو أن الآليات الأساسية هي الإنسان. ولكي يتملك المغاربة هذا النموذج التنموي وينخرطوا في إرسائه، فذلك يمر أولا وأخيرا عبر التربية، وبالتالي إذا لم تعتمد اللجنة مدخل التربية والتكوين باعتباره مدخلا رئيسا للمداخل الأخرى، فلن ينجح أي مشروع نموذجي مهما كانت أهميته وجودته والجهة التي صاغته. صحيح أنه يجب استحضار الشغل والتغطية الصحية والحد من الفوارق الاجتماعية بين الفئات المختلفة، وتصحيح الاختلالات المجالية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتنزيل مضامين قانون الجهات الجديد، وتقوية المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، والقطاعات الإنتاجية من فلاحة وصناعة وتجارة وخدمات وسياحة، ..إلخ، كل هذا مهم، وأساسي، لكن سيبقى مجرد شعارات إذا لم تلعب التربية دورها الأساس في بناء المواطن الصالح والقادر على الانخراط في تنزيل المشاريع التنموية وتحقيق مخرجاتها بالقابلية والفاعلية المطلوبتين.

س 2 =قطعت الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم اليوم 5 سنوات، هل ترى أننا نسير في الاتجاه الصحيح؟

ج= يجب التمييز بين الرؤية الاستراتيجية كتصور أتى به المجلس الأعلى للتربية والتكوين، وآليات تنزيلها التي من المفروض أن تسهر عليها الوزارة الوصية، وما يهمنا هنا هو التنزيل. وفي هذا الصدد، فالمجلس الأعلى يتابع تنزيل مشاريع الرؤية، ويصدر تقارير في هذا الشأن، وخاصة تقرير الأطلس المجالي الترابي للانقطاع الدراسي الصادر قبل أسبوعين (23/12/2019)، والذي حلل مسار تلاميذ فترة تنزيل الرؤية من السنة الدراسية 2014/2015 إلى 2017/2018؛ حيث جاء في فقرة بعنوان “مجهودات حكومية مهمّة لمحاربة الانقطاع الدراسي دون نتائج كبيرة” أنه رغم{محاولات السلطات العمومية، من خلال برامج الدعم الاجتماعي المتنوعة(مطاعم مدرسية، منح، داخليات، برنامج تيسير)، للحد، قدر المستطاع، من الانقطاع الدراسي، وتحسين ظروف تعلم التلامذة، وخاصة في الأوساط الهشة والمحرومة، ومع ذلك، فإن أثر تلك البرامج يبقى محدودا}، وفي الصفحة 15 من التقرير نفسه (الأطلس) يبين تحليل الانقطاع الدراسي، وفق الأسلاك التعليمية، أن أغلبية الانقطاعات تحصل في السلك الأساسي بنسبة 78.3% من مجموع التلاميذ المنقطعين، أي حوالي 338000 انقطاع في السلكين الابتدائي والإعدادي، وهما سلكا التمدرس الإلزامي اللذين يفترض فيهما الاحتفاظ بالتلاميذ في المدرسة حتى نهاية السلك الإعدادي على الأقل. ويشير التقرير إلى إن عدد الانقطاعات في السلك الإعدادي مستمر في ارتفاع مقلق، وصل عتبة 212000 سنة 2018 بـنسبة 14.3% متجاوزا عدد الانقطاعات المسجلة سنة 2015؛
بعد هذه الحقائق الصادرة عن مؤسسة دستورية، تتوفر على خبراء في المجال، يظهر أن منظومتنا تسير في الاتجاه غير السليم، وأن تنزيل مشاريع الرؤية لا يذهب في اتجاه تحقيق الأهداف المرجوة.

س 3 = منذ توقيف مشاريع المخطط الاستعجالي توقفت بيداغوجيا الإدماج، كيف تدبرون باعتباركم مفتشين هذا الإكراه؟
ج 3 = حكاية توقيف بيداغوجيا الإدماج تجسد العشوائية التي تدبر بها شؤون المنظومة التربوية، فلا يوجد أي نص قانوني يوقف هذه البيداغوجيا، شأنها في ذلك شأن العديد من القرارات المزاجية التي تصدر شفويا فقط، مثل إغلاق مركز تكوين المفتشين من لدن الوزير بلمختار سنة 1998، وللمرة الثانية سنة 2014. وبالرجوع للموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الوصية نجد بيداغوجيا الإدماج مازالت حاضرة ولاشيء غيرها، لذا وجب التذكير أن حتى المجلس الأعلى للتربية والتكوين يعتمد الوثائق الرسمية للوزارة التي تعتبر بيداغوجيا الإدماج سارية المفعول، مع الإشارة إلى أنها ليست بيداغوجيا بالمعنى الاصطلاحي للبيداغوجيا، وإنما هي اختيار منهجي لأجرأة المقاربة بالكفايات وإعطائها معنى وبعدا عمليا.
أما كيف يدبر المفتشون هذا الإكراه؟
فحسب تجربتي المتواضعة في التأطير والمراقبة (مفتش لمدة 28 سنة خلت)، كان المفتش يؤطر ما بين 30 و40 أستاذا، وينشط الندوات واللقاءات التربوية، وينظم الدروس التجريبية، وينجز الدراسات الميدانية والبحوث العلمية التخصصية والتدخلية، ويبرمج الزيارات التفقدية والتأطيرية، ويعد تقارير حول الوضع العام بالمؤسسات التعليمية، لتقوم الإدارة الإقليمية باستثمار التقارير وإرسال التركيبية منها للوزارة الوصية. غير أنه في الوضع الحالي فلا اهتمام للوزارة بالتأطير أو التكوين؛ أو أي شيء يساهم في النهوض بمنظومة التربية والتكوين، فأصبح لكل مفتش عددا كبيرا من الأساتذة، وأصبح الشغل الشاغل للإدارة الإقليمية أو الجهوية أو المركزية هو إنجاز تقارير تفتيش الأساتذة المقترحين للترقية، ما بين150 و200 مترشحا سنويا لكل مفتش سواء للترقي في الرتبة والدرجة، زيادة على تكليف المفتشين بمهام ليست من مهامهم؛ فحسب جرد قامت به المفتشية العامة قبل سنوات، يقوم المفتش بـ 84 مهمة، ونسبة 90% منها ليست من مهامه، لكنه مرغم بحكم أنه تابع للمديرية التي يشتغل بها إقليميا أوجهويا، ولعدم تمتعه بالاستقلالية الوظيفية التي تخول له القيام بمهامه التطويرية للمنظومة. لذا، فلم يعد للمفتش الوقت للبحث عن الحلول البيداغوجية والتربوية الدقيقة لحل بعض الأزمات المقلقة، والتي لا تعيرها الوزارة أصلا أي اهتمام، باستثناء اجتهادات فردية للمفتشين بدافع الغيرة على المنظومة التربوية ومن منطلق شعورهم بجسامة مسؤولية التأطير ومراقبة جودة التعلمات التي تقدمها المدرسة المغربية.

س 4 = كشفت أرقام الهيئة الوطنية للتقييم عن نتائج جد متواضعة في القراءة والعلوم. هل يعني ذلك أن الإصلاح الذي نتطلع إليه مايزال متعثرا؟
ج 4 = لتكون الأجوبة علمية ودقيقة يجب اعتماد مراجع رسمية. لذا، فبالرجوع لعرض الهيئة الوطنية للتقييم، المقدم خلال انعقاد الدورة 15 للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يومي 14 و15 يناير 2019، حول نتائج التلاميذ المغاربة (السنة الرابعة من التعليم الابتدائي) في الدراسة الدولية لقياس مدى تقدم القرائية(PIRLS) سنة2016 نجد أن المغرب ضمن الثلاث دول الأخيرة في الترتيب، أما تقرير المجلس نفسه الخاص بإطار الأداء لتتبع الرؤية الاستراتيجية في أفق 2030 المستوى الوطني 2015-2018، فقد خلص إلى العديد من النتائج غير المشجعة، وتحديدا البعد الثاني الذي اعتمده إطار الأداء، أي «جودة التربية». ويعتبر تحسين هذا البعد أولويات الرؤية الاستراتيجية، وسنركز على البعد الفرعي الأول “المكتسبات المدرسية” الذي تتحدد مؤشراته في الآتي : نسبة تلامذة السنة الرابعة ابتدائي المتمكنين على الأقل من الحد الأدنى من كفاية الرياضيات (TIMSS)، والقراءة(PIRLS).ونسبة تلامذة السنة الثانية إعدادي المتمكنين على الأقل من الحد الأدنى من كفاية الرياضيات (TIMSS) والقراءة(PIRLS)،
ويمكن تلخيص التحصيل حسب تقرير سنة 2018 في الآتي: متوسط التحصيل الدراسي لتلاميذ المستوى الرابع ابتدائي في الرياضيات 34% وفي العلوم 27.3%، ومتوسط التحصيل الدراسي لتلاميذ المستوى الثالثة إعدادي في الرياضيات 35.8% وفي العلوم 28.7%. وعليه، ومقارنة بما جاء في تقرير سنة 2015، يمكن القول بالخط العريض: لم تتغير نسب الأداء تلك سوى في المستوى الرابع ابتدائي في مكون العلوم حيث كانت 26.2،
كما تجدر الإشارة إلى أنه حسب نتائج بيزا 2018 الدولي الذي اعتمد 6 درجات (6 مستويات) لقياس القدرة على القراءة، فقد بلغت نسبة الذين يتمكنون من الحد الأدنى من الكفايات القرائية نهاية التعليم الإعدادي 26.7% فقط، وهو ما يشكل عائقا أمام التمكن من المواد الدراسية الأخرى، و حسب مستوى التحصيل الدراسي الذي اعتمده نفس البرنامج فنسجل عدم تمكن 73 ٪ من المتعلمين والمتعلمات من الكفايات الدنيا في القراءة المحددة في المستوى الثاني من سلم بيزا، وإذا أردنا تبسيط الحديث حول نتائج بيزا التي تهم المغرب يمكن القول أن 20.6% من التلاميذ المغاربة فقط حصلوا على مستوى متوسط و5.6% فقط على ميزة لابأس به، أما على مستوى الرياضيات ف17% فقط حصلوا على مستوى متوسط و6% فقط حصلوا على ميزة لابأس به، أما بالنسبة للعلوم فحسب بيزا دائما ف24% فقط حصلوا على حصلوا على مستوى متوسط و6% فقط حصلوا على ميزة لابأس به. وبذلك فعلميا يمكن الحديث عن بوادر فشل الإصلاح المنشود، إن لم نقل الفشل المؤكد.

عبد الرزاق بن شريج
خبير تربوي

أجرته ونشرته جريدة المساء اليوم 2020/1/14.

شارك برأيك وأضف تعليق

جميع الحقوق محفوظة 2020 ©