العالم الافتراضي في علاقته بالواقع

0

عبد الرحيم بودلال: *

صار الفضاء الافتراضي جزءا من حياتنا الخاصة والعامة، ولم تعد هناك من خصوصيات ذاتية بل أصبح كل شيء مكشوفا للعلن، حيث أصبحت التقنية هي المهيمن والموجه لعالمنا الحقيقي. إلا أن هذا التحول الجديد في عالم الناس بدخول عوالم جديدة تتصف بالسيولة والضبابية، جعلنا نطرح عدة أسئلة تتعلق بمدى تأثير العالم الافتراضي على الواقع المعيش؟ وما هي حدود كلا المجالين؟ وهل يمكننا الحديث اليوم عن وجود مجالين مختلفين؟ وهل يمكن لنا أن نتخلى عن هذه الأدوات المشكلة للفضاء الافتراضي في وقت ما؟ أم أنها صارت جزءا من ذواتنا؟
للإجابة عن هذه الأسئلة سنعتمد كمدخل الفلم الأمريكي المعنون بـ ( Her)؛ فيلم من الخيال العلمي تم إنتاجه سنة 2013 من تأليف وإخراج سبايك جونز و بطولة الممثل خواكين فينيكس.
تدور أحداث الفيلم حول كاتب روايات يُطور علاقته مع نظام تشغيل ذكي، هذا النظام الذي يتمثل في شكل امرأة ذات صوت شجي وجميل.
فالبطل ثيودور رجلٌ وحيد في المراحل النهائية من طلاقه بزوجته الأولى، غالبا ما يمضي وقت فراغه وسط ألعاب الفيديو والتسكع مع أصدقائه. يقرر ثيودور شراء نظام التشغيل الجديد OS1الذي صَدر حديثا الذي تم الإعلان عنه كأذكى نظام تشغيل صناعي في العالم. إلا أنه سرعان ما يجد ثيودور نفسه منجذبًا لنظام التشغيل السيدة سامانثا، الصوت الجذاب، فيبدأ بقضاء أوقاته معها، ليجد كل منهما واقعا في حب الآخر، أو بالأحرى ليجد ثيودور نفسه واقعا في حبها.
بعد وقوع ثيودور في حب هذا النظام الاصطناعي، يجد نفسه مجبرا على التعامل مع مشاعر الحب والغيرة التي ولدتها لديه سامانثا، والذي جعله يتعلق بالنظام أكثر هو ذكاء سامانثا ومعرفتها العميقة بمشاعره، لكن كيف سيتعامل مع هذا الحب الذي ليس له وجود على الحقيقة؟ وهل يمكن لعلاقة حب أن تتم بين كائن حقيقي وذكاء اصطناعي؟ وما الذي جعل ثيودور يتعلق بهذه المرأة الافتراضية؟

في ظل الاستهلاك المتزايد والتعلق بالصورة على حساب الجوهر تنامت درجات الفردانية، ولم يعد للناس ما يتمسكون به من جماعة أو أسرة أو دين أو قيم، و تلاشت العلاقات الحميمية لصالح علاقات التعاقد والمصلحة، فاحتلت التقنية مكان هذه العلاقات بعلاقات جديدة ينظمها الذكاء الاصطناعي داخل عوالم افتراضية، فأصبح اهتمام الإنسان بالافتراضي أكثر منه بالواقعي؛ لأنه يجد فيه ما يفقده على الحقيقة، حيث تشكلت الجماعة الافتراضية المتخيلة مكان الأسرة والجماعة والأمة، هذه المجموعة الجديدة التي تميز بالانسجام والاتحاد والحميمية؛ فالجماعة المتخيلة ليست في الأصل إلا صورة طبق الأصل لشخصية هذا العضو، بل هو نظام معلوماتي أُعد خصيصا للاستجابة لعلاقات أكثر حميمة تلبي متطلبات كل شخصية، كما يمكن لهذه المجموعة أن تحتوي أعضاء ينتمون إلا وقائع مادية مختلفة إلا أنهم يشتركون نفس الهواجس ونفس المشاعر، أو على الأقل يُظهرون تصرفات و مشاعر توافق المجموعة الافتراضية.
فعندما فشل البطل ثيودور في علاقته الزوجية وجد في النظام المعلوماتي ما لم يجده في الزوجة المادية، بل وجد في النظام ما يكمل شخصيته النرجسية، فالواقع المادي جعله يفر من أي علاقة غير متكافئة لصالح علاقة تستجيب وحاجياته الحميمية. بل إن ثيودور عاش حياة زوجية شبه مثالية وولد طفلة جميلة، إلا أن بعض التصرفات البسيطة من زوجته جعلته يتخلى عنها. كما أنه جرب بدعم من النظام التشغيلي سامانثا أن يبحث عن علاقة جديدة، وقد حدد له الذكاء الاصطناعي جميع مواصفات المرأة التي توافقه، وأخبره كيف يتعامل معها، وما هي ميولاتها الشخصية وأنواع المأكولات والألوان والحيوانات التي تحب، وعلمه النظام كيف يتواصل معها بحميمية، فتم اللقاء بينهما وكادت العلاقة أن تنجح لولا أن ثيودور وجد في المرأة الافتراضية سامانثا ما لم يجده في زوجته.
إن تطور الذكاء الاصطناعي جعله يقوي من العالم الافتراضي حيث يمكن لمجموعة من الناس الافتراضيين التواجد في مكان اجتماعي (Espaces social) والتواصل بينهم كما لو كانوا جميعا في غرفة واحدة، إن العالم الافتراضي يجعلنا نطرح عدة الأسئلة و نعيد تعريف كل ما هو صلب وفق أدوات زئبقية مائعة يصعب الإمساك بها أو التحكم فيها، كما يجعلنا نتساءل حول حدود الواقعي والافتراضي في حياتنا اليومية، وما هو الذاتي والموضوعي في علاقاتنا، وأين تبدأ الأنا لينتهي الاخر، وهل لازالت هناك من خصوصية يمكن التمسك بها.
إن كل فرد منا يصنع عالمه الخاص به من خلال حجم مشاركته في الفضاء العام ومن خلال حجم تعاطيه للعالم الافتراضي، وحضور عالمه الخاص في الافتراضي، وما مدى تأثير الذكاء الاصطناعي في حياته الشخصية، بهذا تشكل عالم وسائطي متعدد المتدخلين تتشابك فيه التقنية مع الشخصية مع التمثلات.

* عبد الرحيم بودلال: باحث في علم الاجتماع

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط

Powered by Free CDN WordPress plugin