الشهادة في الشريعة الإسلامية

0

الباحثة أمينة اليقين

إن الشهادة في ضوء الشريعة الإسلامية أهم وسيلة للإثبات في جميع الميادين من معاملات مدنية وأحوال شخصية ودماء وغيرها، وذلك بقطع النظر من الحقوق والممتلكات والواجبات المراد إثباتها. ومهما كانت النتائج المترتبة عنها ، فالشهادة إذن يتجلى دورها الفعال وأهميتها القصوى في ماهيتها دليل قاطع ووسيلة يستطيع بها الفرد أن يصون حقوقه وممتلكاته ويثبتها بواسطتها، وفي كونها أيضا وسيلة للقاي يتوصل عن طريقها إلى الحكم وتحقيق العدالة ، لهذا اعتنت بها الشريعة الإسلامية اعتناء كبيرا فنظمت قواعدها وسنت أحكامها ، ونسبها الله إلى نفسه وشرف بها ملائكته ورسله وأفاضل خلقه فقال عز وجل: ‹‹ وكفى بالله شهيدا» سورة النساء الآية66، وأيضا ‹ ‹ وجئنا بك على هؤلاء شهداء» سورة
النساء الآية 41.
والشهادة هي كل خبر قاطع معلوم ظاهر كما جاء في لسان العرب لابن منظور، وقد عرفها الفقهاء بتعاريف كثيرة منها ما قاله ابن عرفة: إن الشهادة قول ملزم على القاي سماعه
الحكم بمقتضاه إن عدل قائله أو حلف. فلولاها لا يمكن للمجرم ان يعترف بما عليه أو بما ارتكبه، ولأن القاي لا يمكنه أن يحكم من تلقاء نفسه إلا بما أقر به الخصم أو ثبت بإشهاد الشهود. ونظرا لما لها من أهمية احتاطت الشريعة الإسلامية لأمرها فشرطت العدالة في
الشهود لقوله تعالى في سورة الطلاق الآية 2 ‹‹ واشهدوا ذوي عدل منكم». واشترطت في كل نوع من القضايا عددا معينا من الشهود حسب خطورة النتائج المترتبة عنها، ففي إثبات الزنا لابد من أربعة عدول، لأن هذه الشهادة تترتب عنها نتائج خطيرة، لا تقتصر على المشهود عليه بل تتحداه إلى أسرته ومجتمعه، وفي إثبات القتل شهادة عدلين لأنه قد يترتب عنها الحكم بقتل المشهود عليه. أما في إثبات الحقوق المالية فهي أقل خطرا من غيرها لأن الشهود هم حجة الإمام وبهم تنفذ الأحكام، وفي الحديث ” أكرموا منازل الشهود فإن الله يستخرج بهم الحقوق ويرفع بهم الظلم.” الجامع الصغير 2/94. والشهادة في الشريعة الإسلامية منها ما هو مندوب كما هو الأمر في البيوع والأشربة. ومنها ما هو واجب كالإشهاد في الدخول في عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم” لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل” . ونظرا لخطورة منصب القضاء فقد حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: ” القضاة ثلاثة، واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف
الحق وقضى به، ورجل عرف الحق فجار فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهد فهو في النار”. لهذا لا يولى القاء إلا لمن توفرت فيه الصفات التالية: الإسلام ،البلوغ، العلم
بالكتاب والسنة، معرفة ما يقضي به، العدالة. وألا يحكم بين الناس وهو غضبان، أو في مجلس ضيق لا يسع الخصوم والشهود أو يحكم بدون حضور الشهود أو لمن لا تقبل شهادته لهم كالولد والوالد والزوجة .
والملاحظ أن القضاء يرتكز على أربعة شروط أساسية ليتمكن القاضي من إيصال الحقوق إلى أصحابها وهي:
أ‌- الإقرار وهو اعتراف المدعي عليه بما ادعى عليه فيه من حق لقوله صلى الله عليه وسلم :” فإذا اعترفت فارجمها .”
ب‌- البينة وهي الشهود لقوله صلى الله عليه وسلم ” البينة على المدعي واليمين على
من أنكره . ” ج- اليمين لقوله صلى الله عليه وسلم ” البينة على المدعي واليمين على من أنكر.”، فإذا عجز المدعي عن إحضار البينة حلف المدعي عليه يمينا واحدة وأبرأه من الدعوة “.
د- النكول وهو أن ينكل المدعي عليه عن اليمين فلم يحلف. وبهذا يمكننا أن نخلص بأن حكم القاضي في ظاهر لا يحل حراما ولا يحرم حلالا.
وتعتبر الشريعة الإسلامية شهادة الشهود أهم وسيلة للإثبات وروحها وثمرتها هو أداؤها لأنها متى لم تؤد فهي كالعدم، وأداء الشهادة عند القاضي يترتب عنه وجوب الحكم بمقتضاها وبذلك تثبت الحقوق، وتقام الحدود. ولما كان لأدائها هذه الأهمية فقد توجهت عناية الشريعة إلى تقصي شروط الشاهد التي تتجلى في عدالته حين أدائه لقوله تعالى ” ممن ترضون من الشهداء”. والعدالة كما عرفها الغزالي هي عبارة عن استقامة السيرة والدين ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه” المستصفى 1/102.
ومذهب الجمهور أن العدالة صفة زائدة على الإسلام بحيث لا يقبل في الشهادة كل مسلم بمجرد إسلامه بل لابد من إثبات أنه متوفر على شروط العدالة. فالشهادة في
الشريعة تقتصر فقط على الأشخاص العدول .
وتتجلى شروط الشاهد في: الإسلام والبلوغ والعقل والحفظ والكلام والرؤية والعدالة .
وان لا يقوم به مانع يمنع شرعا من قبول شهادته كالقرابة، أو العداوة او التهمة..
وأنواع الشهادات فقد صنفها أغلب الفقهاء باعتبار العدد الذي يثبت بشهادتهم الحق المشهود به.
وهي كالتالي:
أ- شهادة أربعة عدول وهو الخاص بالشهادة على رؤية الزنا أو اللواط ولا تقبل إلا إذا
توفرت فيها هذه الشروط : أن يجتمع الشهود في وقت واحد لأداء الشهادة عند القاضي وأن يتحد وقت رؤيتهم للجماع ، وأن يفرق القاي بين الشهود عند الأداء وأن يذكر كل واحد منهم ما يفيد ذلك.
ت‌- شهادة عدلين أو عدل وامرأتين وهو المتفق عليه ماعدا الزنا كما سبق الإشارة إلى ذلك.
ث‌- شهادة شاهد ويمين المدعي وهذه اختلف فيها الفقهاء .
د- هادة رجل واحد وهذه لا تكفي في إثبات دعوى المدعي بل لا بد له من يمينه ليحكم به. ه- الشاهد العرفي واليمين
والمقصود بشهادة الشاهد العرفي هو ما تجري العادة ويقضي العر ف بأنه يدل على صدق دعوى المدعي وهو ما يعبر عنه أيضا بقرائن الأحوال والراجح في المذهب المالكي ان الشاهد العرفي ينزل منزلة شاهد واحد.
و- شهادة النساء منفردات: أ- في الحقوق غير المالية: تقبل شهادتهم في غير زنا وهذا قول عطاء ومذهب الظاهرية إذا بلغت النصاب المطلوب في جميع الحقوق حدودا أو غيرها. ب- في الحقوق المالية: مذهب الحنفية والشافعية لا تقبل إلا مع رجل ولا تقبل وحدها فيما يخالفهم الإمام مالك. ج- فيما لا يطلع عليه إلا الرجال:
فالجمهور يرى أن شهادة النساء وحدهن تقبل في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالبا مثل الولادة والحيض وعيوب النساء والرضاع. إذن فالشهادة في الشريعة الإسلامية تمتاز بالكمالية لاستكمال شروطها وكل ما تحتاجه من ضوابط وقواعد تكفل للفرد حقه، بالإضافة إلى أن مبادئها وقواعدها تمتاز بالسمو والديمومة.

اترك رد

Powered by Free CDN WordPress plugin