تعيينات الواتساب الزائفة !           

0

اسماعيل الحلوتي

 

      بصرف النظر عن افتقار الإشاعة إلى مصادر موثوقة يمكن الرجوع إليها للتأكد من مدى صحتها، وما تحمله في طياتها من مغالطات وأخبار تضليلية زائفة بعيدة عن الحقيقة، وتملكه من قدرة فائقة على الإغراء والاختراق والانتشار السريع في المجتمع، وملامسة مشاعر الجماهير الشعبية وإشباع حاجيات الكثيرين، بفعل ما تأتي به من أساليب التشويق وتحليلات قريبة من الواقع وإثارة فضول الباحثين…

      وبصرف النظر عما لها من دوافع ومرامي، باعتبارها ظاهرة اجتماعية تختلف من مجتمع لآخر، وفق ما هو متوفر من معطيات سياسية واجتماعية وثقافية وحضارية وغيرها، تقوم على التأثير المباشر واستغلال جملة من الأبعاد السوسيولوجية والأنتربولوجية والسيكولوجية، وتتوافق مع رغبات الجهات التي تسهر على صناعتها وانتقاء المناسبات الملائمة لإطلاقها.

      وبصرف النظر عن تنوع أهدافها التي يمكن إجمالها في ما هو ربحي/مادي وما هو سياسي وما هو فني وما هو رياضي وغيره كثير، وعما إذا كانت ترمي فقط إلى إلهاء المواطنين وصرف أنظارهم عن مشاكلهم الحقيقية والقرارات حكومية. وعن تعدد أشكالها بين تلك البطيئة التي تعتمد على الترويج السري والشفوي لإيهام المتلقي بصدقيتها، أو السريعة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، أو الاستطلاعية لمعرفة ردود أفعال المواطنين حول بعض القرارات الحاسمة، أو التمهيد لبعض مشاريع القوانين المراد تمريرها في البرلمان …

      وبصرف النظر عما إذا كانت تستهدف التشهير بشخصيات إدارية أو سياسية أو التحريض وإشعال الفتن داخل المجتمع أو التشويش على الحكومات المتعاقبة، أو بغرض امتصاص الغضب وبث الأمل في النفوس. وبعيدا عن أسباب انتشارها التي غالبا ما تعود إلى انعدام المعلومات وندرة الأخبار الصحيحة والتواصل المستمر، أو عن قلة الوعي والضمور الثقافي وما يسود في المجتمع من أجواء القلق والتوتر ومشاعر التذمر والإحباط، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر والأمية والبطالة واتساع رقعة الفوارق المجالية والاجتماعية وتفشي الفساد الإداري والمالي…

      وبصرف النظر عما تعنيه الإشاعة في اللغة من كونها اشتقاقا من فعل “أشاع”، بعكس الشائعة المشتقة من فعل “شاع” الشيء يشيع شيوعا مشاعا، أي ظهر وانتشر. وأنها متعددة التعريفات اصطلاحا، أو هي في المجمل عبارة عن معلومات أو أخبار يتناقلها الناس دون أن يكون لها سند أو مصدر موثوق يشهد بصدقيتها، أو أنها لا تعدو أن تكون مستوحاة من الخيال وممزوجة بجزء قليل من الحقيقة للتمويه، وحتى يمكن أن تحقق المبتغى المخطط له سلفا…

      فإن حديثنا هنا عن الإشاعة يأتي بمناسبة ما تتناقله الألسن وبعض المنابر الإعلامية هذه الأيام من أخبار سواء عن إمكانية إقالة الحكومة، والتحضير لتعويضها بحكومة وطنية أو تكنوقراطية لمواجهة تداعيات الأزمة الصحية الخانقة، التي تمر منها بلادنا والعالم أجمع جراء تفشي الوباء الفتاك، أو عن التعديل الحكومي المرتقب واللائحة المرافقة له والمتضمنة لعدد من أسماء الوزراء والمسؤولين الجدد. وهي نوع من الإشاعات التي عادة ما تسبق احتفالات عيد العرش أو انعقاد أي مجلس وزاري، لاسيما أنه يرجح التئام اجتماع هذا المجلس في الأيام القليلة القادمة برئاسة ملك البلاد محمد السادس، الذي يفترض أن يؤشر خلاله على الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية التعديلي برسم عام 2020، الذي فرضته تداعيات جائحة “كوفيد -19” على الاقتصاد الوطني وسائر مناحي الحياة العامة.

      وجاء كذلك ليظهر إلى أي حد لم تعد صدور المغاربة تتسع لتحمل المزيد من العبث بمصالحهم، وما يجري حولهم من تخبط وارتباك، تفاحش مظاهر الفساد وتناسل الفضائح الوزارية الأخلاقية والحقوقية، في ظل تعاقب حكومات ضعيفة وعاجزة عن التدبير المعقلن وتلبية انتظاراتهم وتحسين ظروف عيشهم، والقيام بالإصلاحات الكبرى في التعليم والصحة والتشغيل، مما أفقدهم الثقة في العمل السياسي والاستحقاقات الانتخابية والمنتخبين وجميع المؤسسات. وأصبحوا في ترقب مستمر لحدوث التغيير المنشود، والتشبث بكل خيط أمل يلوح في الأفق حتى وإن كان مجرد إشاعة عابرة.

      فكيف لهم ألا يتذمروا وتتعاظم حركاتهم الاحتجاجية في مختلف ربوع البلاد، إذا كانت أعلى سلطة هي الأخرى لا تخفي استياءها ولا تتوقف عن توجيه الانتقادات اللاذعة للمسؤولين والنخب السياسية، جراء ما صار عليه المغرب من غليان متواصل ويعيش تحت ظلاله من مفارقات غريبة وعصية عن الإدراك والاستيعاب. إذ بقدر ما يتميز بالمصداقية لدى عديد البلدان ويحظى بثقة كبار المستثمرين، بقدر ما هناك تواضع واضح في الإنجازات التي من شأنها توفير التنمية المستدامة وتحقيق شروط الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟ ثم أين نحن مما ظل يطالب به الملك محمد السادس من تجديد النخب، على مستوى المؤسسات والهيئات السياسية والاقتصادية والإدارية، بما فيها الحكومة نفسها؟

      إننا رغم اعتراضنا الشديد على ترويج الإشاعات، لما لها من آثار سلبية على المجتمع، فإن إشاعة التعيينات الرائجة مؤخرا عبر الواتساب تعبر عن الرفض الشعبي لعدد من الوزراء والمسؤولين، وتعكس مدى حاجة الكثيرين إلى حكومات قوية ومنسجمة، وشخصيات سياسية وإدارية حقيقية، تتحلى بالجدية وقيم النزاهة وروح المسؤولية، تكون ذات حس وطني رفيع وفي مستوى تطلعات الجماهير الشعبية، من حيث الكفاءة والقدرة على رفع تحديات التحولات الديمقراطية والبيئية والرقمية والحكامة ونجاعة الخيارات السياسية والبرامج العمومية، لاسيما في قطاعات التعليم والصحة والتشغيل، والسهر على تقليص معدلات الفقر والأمية والبطالة والحد من التفاوتات الاجتماعية والترابية…

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط

Powered by Free CDN WordPress plugin