متى يكون لقانوننا يوم عالمي؟ !

0

اسماعيل الحلوتي

عديدة هي الدول التي دأبت على الاحتفاء باليوم العالمي للقانون كلما حل الثالث عشر شتنبر من كل عام، فيما يمر بالمغرب مرور الكرام، ليس فقط بسبب عدم تسليط وسائل الإعلام الوطنية الضوء عليه بالقدر الواجب أو شح المعلومات الكافية حول دواعي وأهداف اختيار هذا اليوم بالضبط دون غيره، بل لأن السواد الأعظم من المغاربة فقدوا الثقة في المؤسسة القضائية ويرونها لا تعمل على احترام القانون وتقدير الغاية النبيلة من وجوده، لاسيما بعد أن صار الكثير ممن يفترض فيهم السهر على حمايته وإنفاذه بكل تجرد وموضوعية، هم أول من يسارعون إلى مذبحته بكل وحشية أمام أنظار الجميع.
فلا شيء يفقد القانون قوته أكثر من سوء تطبيقه، اعتماد الكيل بمكيالين والمتاجرة بالأحكام، في حين أن الهدف الأسمى منه هو تحقيق الاستقامة والانضباط والمساواة. والقانون كلمة مأخوذة عن كلمة “canon” اللاتينية التي تعني “العصا المستقيمة”. وفضلا عن كونه مجموعة من القواعد والأسس المنظمة لتصرفات الأفراد، فهو من العلوم الاجتماعية التي تتناول موضوع الإنسان وسلوكه مع غيره على مستوى أعماله وردود أفعاله، وله عدة مباحث متشعبة ومعقدة. وينقسم في المجمل إلى شعبتين رئيسيتين، هما: القانون الخاص والقانون العام. فالخاص يهتم بالنزاعات وتكييف العلاقات وتأطيرها بين الأشخاص من غير تمييز، حيث لا يجب أن تكون هناك أفضلية لشخص على حساب آخر، وأن ينظر لعلاقة الشخصين بالتساوي أمام الهيئة القضائية، التي يمكن أن تكون محكمة ابتدائية أو محكمة مختصة حسب طبيعة النزاع بين المتقاضين. فيما يعنى القانون العام بالخلافات القائمة بين هيكل تابع للدولة والغير، ومن أهم قوانينه الفرعية التابعة له، هناك القانون الإداري والقانون الدستوري والقانون الضريبي وغيره…
وبما أن سيادة القانون تعتبر من أهم الأصول الدستورية، التي تمنع على أي سلطة من سلطات الدولة ممارسة سلطتها خارج الضوابط القانونية، وتسعى إلى تحقيق العدل والمساواة بين المواطنات والمواطنين وحماية مصالحهم وصون حقوقهم الدستورية وحرياتهم الفردية والجماعية وضمان كرامتهم الإنسانية وترسيخ قيم الديمقراطية وإشاعة الأمن والاستقرار، فإن ملك البلاد محمد السادس لم ينفك يردد في عدة مناسبات بأن المغاربة سواسية أمام القانون، ويؤكد على ضرورة احترام مقتضيات دستور 2011 الذي ينص في فصله الخامس على: “أن المغاربة جميعا سواسية في الحقوق والواجبات، سواسية أمام القانون دون تمييز من أي نوع، سواء كان هذا التمييز مستندا إلى اعتبارات تتعلق باللغة أو الجنس أو الدين أو الثقافة الفرعية أو الانتماء السياسي أو الثقافي أو الجهوي…” فهل نحن حقا سواسية أمام القانون، كما أراد لنا الملك وورد في الوثيقة الدستورية؟ !
للأسف الشديد أن ما يبذل من جهود في اتجاه التأسيس لدولة الحق والقانون من أجل ضمان حقوق الأفراد السياسية والاقتصادية والقانونية وتحقيق مبدأ “لا أحد فوق القانون”، لا تواكبه جهود موازية على أرض الواقع. فالمغاربة الذين آمنوا بأن الدستور جاء لإحداث قطيعة مع العهد البائد ووضع حد لمختلف مظاهر الظلم والقهر والفساد، وتنزيل الكثير من المبادئ العامة للقانون وفي مقدمتها ما يرتبط منها بحقوق الإنسان والمساواة، وشدد بالخصوص على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع متساوون سواء كانوا أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين بما فيهم السلطات العمومية، اعتقادا منهم أنه لن يعود هناك فرق بين رجل السلطة والمواطن العادي، وأن الكل يحتكم على قدم المساواة إلى سلطة القانون بلا تمييز أو انحياز، لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن ذلك كله ليس سوى شعارات جوفاء وأن دار لقمان مازالت على حالها…
إذ كيف للقانون أن يؤدي وظيفته ويحقق أهدافه في الأمن والاستقرار وإقامة العدل والمساواة وحماية الحقوق والحفاظ على مصداقية مؤسسات القضاء، إذا كان غير قادر على إيقاف مسلسل الخروقات والتجاوزات، التي غالبا ما يكون أبطالها من الوزراء والبرلمانيين وغيرهم من أصحاب المال والنفوذ وذويهم؟ فالملاحظ أن القانون في بلادنا لا يطبق إلا على الصغار والضعفاء كما هو الحال بالنسبة لليوتيوبر “مي نعيمة”، المرأة البدوية المسنة التي حوكمت بسنة حبسا نافذا بسبب إنكارها وجود فيروس “كوفيد -19″، في حين يتساهل مع الكبار والأقوياء الذين يظلون في مأمن من كل متابعة قضائية حقيقية، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة لا تكفي المجلدات لتدوينها، ولعل أقربها إلى الأذهان تلك التي همت شقيق الوزير السابق منصف بلخياط في خرق حالة الطوارئ وإهانة رجل أمن، والمطربة دنيا باطما في ما اشتهر ب”حمزة مون بيبي”، والقياديين بالحزب الأغلبي مصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان ومحمد أمكراز وزير الشغل والإدماج المهني، في عدم التصريح بمستخدميهم لدى الصندوق المغربي للضمان الاجتماعي…
إن الاحتفاء باليوم العالمي للقانون يقتضي بداية السهر على تطبيق نصوصه بتجرد ومسؤولية، العمل على تعزيز استقلالية القضاء ونزاهته وتفعيل المقتضى الدستوري “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. فقوة العدالة ليست بجودة النصوص القانونية وحسب، وإنما في الحرص على حسن تطبيقها، والقدرة على إرساء أسس المساواة في التعامل مع كافة المتقاضين حتى ينال كل ذي حق حقه، دون أي اعتبار لمناصب الأشخاص أو قيمتهم الاعتبارية ومكانتهم المالية أو السياسية، والقطع مع جميع المظاهر السلبية المسيئة إلى صورة المنظومة القضائية، فالقضاء النزيه هو الضامن لفاعلية القانون.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط

Powered by Free CDN WordPress plugin