الدرس الاخير لرولان بارث حول الرواية 

0
حفيظة مبروك
اتخذت الكتابة عند صاحب: الكتابة في الدرجة صفر، الأسطوريات، سين زاي، مبادئ في السيميولوجيا…، مسارا ثلاثيا انبنى على خصوبة العقل وسيرورة الفكر وديمومة النقد”،[1] فيظهر لنا بارث الأديب والبنيوي والسيميولوجي والناقد ثم الروائي، لم يتوقف عند اتجاه واحد، ولم يجحد جهود سابقيه، “يُعد المسار الأدبي لرولان بارث مرحليا، كلما وصل مرحلة منها استعان بثقافة جديدة.”[2]
وسعت جهود بارث إلى خلق آفاق نهضة أدبية نقدية جديدة، حيث “قبل عامين من وفاته بدا بارث أكثر اضطرابا وترددا، يبدي تساؤلا حول إمكانية الخروج من التكرار والروتين باحثا عن الجديد في حياة جديدة Vita nova” [3].
شكل الدرس الأخير لبارث “تحضير الرواية”، La préparation du roman، منعطفا نقديا جديدا في نظرية الرواية، خطت خطوطه عصارة الطروحات التي قدمها؛ يبدأ العمل الإبداعي في نظره من اللحظة الشعرية، ويرتبط الوعي بالكتابة، مثلما ترتبط هذه الأخيرة بالحياة، يحدد بارث، مفهوم الساتوري Satori، وهو مصطلح مأخوذ من الثقافة البوذية اليابانية، على “أنه اللحظة التي تفتح فيها (عين الوعي)، فيشرع الكاتب في كتابة النص، وينعكف على الأدب، فيتولد العمل الأدبي؛ وهو لا يريد إلا أن يكتب، فيتحول الإلهام المتدفق إلى كتاب”[4].
تنبني الكتابة الأدبية، إذن، على فاعلية ذهنية يحركها الوعي والإدراك، فتخوض في مسارات الخلق والإبداع، تترقبها سيرورات النقد، ويستشهد بارث على ذلك بالأعمال الأدبية لكل من بروست وجوني التي تسمح بقراءة حياتهم ككتاب، كما يصف في درسه الأخير العمل الروائي الخالد لبروست بحثا عن الزمن الضائع بأنه كتابة أدبية، وفي ذات الوقت، بحث عن سبل إيجادها. إن النقد يسعى إلى إعادة إنتاج مثل هذه الأعمال الروائية الخالدة، وإن تعددت سبل استجلاء مقومات الجمال والإبداع.
تمثل الرواية من وجهة نظر رولان بارث: “فعل حب” un acte d’amour، يُحقِق المتعة والفائدة، “يتعلق الأمر بالحديث عما نحب، وبحب، وكتابة كل ما سبق معرفته”[5]؛ توجد، إذن، حياة في كل عمل روائي، فهي بمثابة المنبع الذي يروي جذوره، ويجعله يلقي بظلاله في كون الوجود، يرى بارث أن الأعمال الروائية الخالدة عند كل من بروست وتولستوي: بحثا عن الزمن الضائع، والحرب والسلم، نسيج من مقتطفات استذكارية، ترتبط بفترات عمرية تمتد من الطفولة إلى مراحل النضج، يتولد الأدب لحظة انصهار اللغة والحياة في كيان واحد؛ “يربط بارث في مشروعه بين الحياة والكلمة، ويقر بأن مشروعه أدبي مادام مرتعه الحياة[6]”، كما يميز في الدرس الأخير بين الشكل الكتابي الشعري الوجيز، والشكل الكتابي المطول أي الرواية، ويعتقد أن الشعر يمهد للكتابة؛ وهو يقترح، في هذا الصدد، شعر الهايكو الياباني باعتباره شكلا مُختصرا يُشكل جوهر المقتطف والإنتاج الروائي، حيث تغيب الخلفية الإيديولوجية والتاريخية.
يبدو لنا، أن رولان بارث من خلال: الدرس الأخير “تحضير الرواية”، روائيا أكثر مما هو ناقد، “يفكر بارث في نفسه وبنفسه، متخليا عن كل قواعد التفكير الجامعي، ومتحملا مسؤولية ما يقوله باسمه الخاص وبتوظيف ضمير المتكلم، فكرة يستثمر من خلالها كل شيء، ويلتزم بها موظفا تجربته الذاتية”[7].
لا يبحث بارث عن ماهية الرواية، وإنما يسائل شروط الإنتاج الروائي، من خلال الانتقال من شعر الهايكو إلى العمل الروائي.
________________
طالبة باحثة ومفتشة تربوية
هوامش
[1] الطيب بن عون،2016، نظرية الكتابة عند رولان بارث، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، ص5.
[2] نفسه، ص.11-12.
[3] نفسه، ص. 153
[4]Fallah Nejad Mohammed Reza, Printemps-été 2015, Le haiku et la création romanesque dans la préparation du roman de Roland Barthes, Revue des études de la langue française, septième année , N° 12, p42.
[5]Ibid p42
[6]Ibid p 43
[7]Philippe forest, haiku et epiphanie : avec barthes du poéme au roman( 15Février 2015). In : Ibisu, N° 35, 2006. Pp 159-165.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط

Powered by Free CDN WordPress plugin