قراءة في نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية

0

بقلم د. علي بوطوالة

بعد ترقب طويل، تم الإعلان الرسمي عن انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية،وترافق هذا الإعلان بسيل من التحاليل والتعليقات حول أبعاد وتداعيات الانتخاب على أمريكا والعالم في هذه الظرفية الاستثنائية. هناك من هلل لانتصار بايدن وعبر عن ارتياحه خاصة من طرف حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التقليديين في أوروبا، وهناك من قلل من شأنه على اعتبار أن ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية لن تتغير بمجرد انتخاب رئيس جديد ولو كان ممثلا للحزب الديموقراطي.بهذه المناسبة تذكرت جواب الشهيد أبو إياد حين سأله أحد الصحفيين الغربيين عن الفرق بين حزب العمل وحزب الليكود فقال ساخرا “هو مثل الفرق بين بيبسي كولا وكوكا كولا!”.ومع ذلك فالواقع أكثر تعقيدا ممايبدو،ذلك أن الأمر لايتعلق بانتخاب رئيس دولة كبرى ومؤثرة في صناعة القرار الدولي فقط، بل بتغيير إدارة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وتكنلوجية عرفتها البشرية حتى الآن، ولها تاثير حاسم على توجه المؤسسات الدولية السياسية والمالية والاقتصادية. لقد مثلت رئاسة ترامب الفاشي والعنصري تحولا خطيرا في توجهات هذه القوة، اربك حتى حلفاء الولايات المتحدة، لأنه فتح المجال لعودة اليمين المتطرف للسلطة في عدد من بلدان العالم، وبالتالي الإجهاز على ما حققته البشرية من إنجازات اجتماعية ومكتسبات حضارية وتراكمات ايجابية على مسار إنتصار القيم الإنسانية في الحرية والسلم، والديمقراطية والكرامة، والعدالة الاجتماعية. وأخطر من ذلك الزج بالمنطقة العربية في نفق مظلم بتفجير تناقضاتها و بتقوية اعتى انظمتها الرجعية، ومحاولة الإجهاز النهائي على القضية الفلسطينية كقضية مركزية للشعوب العربية لتحقيق طوحات الصهيونية في بسط سيطرتها على ثروات الوطن العربي بأسره.
صحيح أن مسلسل الثورة المضادة، المسمى زورا بالربيع العربي قد انطلق في رعاية إدارة الحزب الديموقراطي بقيادة أوباما، وكان يستدف اعادةهيكلة المنطقة لجعلها احتياطا استراتيجيا لأمريكا في مواجهة القوى الصاعدةفي اسيا، لكن وصول ترامب الى البيت الابيض جعل هذا المسلسل يصل إلى اخطر حلقاته. وكان من مؤشرات ذلك نقل السفارة الأمريكية الى القدس وتزكية بناء المستوطنات وضم الجولان السوري المحتل والإعلان عن صفقة القرن،وفرض قانون قيصرلمضاعفة الحصار القاتل على سوريا، وأخيرا فرض التطبيع على الأنظمة العربية الخاضعة والتابعة مع الكيان الصهيوني.اما على المستوى الدولي فقد قرر ترامب الإنسحاب من اليونسكو ومن اتفاقية المناخ واخضع العلاقات التجارية لمنطق الابتزاز والضغوط،وشدد الحصار على إيران،ودفع بالصراع الإقتصادي مع الصين إلى أوجه، وقزم دور الأمم المتحدة ضاربا بالقانون الدولي عرض الحائط، معيدا العالم إلى سباق التسلح والتوحش.
اكيد، أن التغيير الجديد في الإدارة الأمريكية بوصول خبير في السياسة الخارجية الأمريكية لن يحدث انقلابا جذريا في توجهات الولايات المتحدة الإستراتيجية، ولكن من المتوقع بالنظر الى البرنامج الانتخابي لجو بايدن، أن يقرر هذا الأخير العودة إلى اتفاقية المناخ
ودعم منظمة الصحة العالمية من جديد، وتغيير التعامل مع إيران استمرارا لسياسة اوباما الذي كان عراب الاتفاق النووي، وعموما العودة إلى الساحة الدولية بالتركيز على المصالح المشتركة والديوقراطية وحقوق الإنسان، مما سيشكل ازعاجا للانظمة الاستبدادية في المنطقة العربية والتي ستضطر لامحالة إلى مراجعة حساباتها.
في هذا السياق ينبغي التذكير أن اتفاق أوسلو قد تم توقيعه في عهد كلينتون،أي في عهد إدارة الحزب الديموقراطي، وهنا يجب التنبيه من مخاطر الرهان من جديد على أوهام التسوية في ظل الخلل الفادح لموازين القوى بين قوى التحرر الوطني الفلسطينية والعربية من جهة وبين أطراف التحالف الصهيوني الإمبريالي الرجعي في الجهة المقابلة. إن التمسك بوحدة الصف الوطني الفلسطيني على قاعدة مقاومة الاحتلال الصهيوني بكل اشكالها، وبتمتين الروابط بين مكونات محور المقاومة، ومحاربة التطبيع ،وتوحيد فصائل حركة التحرر الوطني العربية، هي المداخل الضرورية لخلق ديناميكية جديدة في سياق دولي مطبوع بالانتقال من الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية، يميزها استرجاع القوى التقدمية لمكانتها على الساحة الدولية.في هذا الأفق ينبغي أن تصب كل جهود وطاقات قوى التحرر والتقدم والديموقراطية بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى قد تكون وجيهة مثل وضع حد للاقتتال والصراع في اليمن وليبيا على قاعدة الوحدة الوطنية، وتطهير سوريا من فلول الظلامية، لكن ينبغي أن يبقى تحرير فلسطين دائما هو البوصلة.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط

Powered by Free CDN WordPress plugin