مقبرة بوبانة للكلاب بطنجة .. تجسد الصراع الطبقي بالملموس

 

بقلم المصطفى دغالي –

أحيانا يستلهم الكاتب الملتزم بقضايا الجماهير تيمة من عالم النوادر ويخلق منها أرضية لنقاش فسيح بعدما تدفعه فراسته إلى جعل هذه النادرة التيمة منطقا لمعالجة قضية جوهرية ثنائية تربط ما بين الحياة والموت وما بين الإنسان والحيوان وما بين الثراء والفقر وما بين الترف والقمع. إنها مقبرة بوبانة بطنجة التي تحتضن قبورا لكلاب مدللة في حياتها وموتها، يظهر ذلك من خلال وضعية القبور ذات الشواهد الزليجية والرخامية ومن أسمائها اللطيفة والرقيقة كـ “لونا” و”ليندا” و”شاليمار”. وتتواجد المقبرة بحي راق يدل هو الآخر على الوضع الطبقي الحالي، أسماء الكلاب أصولها متطابقة تماما مع قوة وتأثير أجناس أصحابها (وبالعربية كلب واحد) الكلاب التي تنسب للإنجليزية تشكل غالبية عددية باعتبار أن الإنجليز كان لهم حظ وافر بطنجة في ميدان التجارة والصيرفة والدبلوماسية ويليهم الإسبان رغم قلة تأثيرهم في الحياة العامة بطنجة، لأن لجوءهم إلى طنجة ما كان إلا نتيجة الهروب من الحرب الأهلية الإسبانية. ويشكل كلاب الفرنسيين الرتبة الثالثة بحكم قوتهم ونفوذهم. كلاب طنجة عاشت مدللة ومعززة وبعد موتها سكنت مقبرة “بوبانة” وشاء لها القدر أن تذكر أسماؤها بجريدة الشرق الأوسط بتاريخ 07/11/2002 عدد 8745 بقلم الكاتب الصحفي عبد الله الدامون. وهذه الكلاب وأصحابها عاشوا في وطن غير وطنهم وسيقت لهم ظروف البذخ والترف أثناء حياتهم ومماتهم. وكثير من أبناء الطبقة المهمشة من المغاربة تاهوا أو ماتوا ولم يعرف لهم مصير ولم يتوفروا على قبور معروفة ككلاب طنجة، والفترة التاريخية التي عاشتها كلاب طنجة والرباط والدارالبيضاء في البذخ والترف هي نفسها التي عاشتها الطبقات المسحوقة من المغاربة تحت الظلم والقهر والطغيان. وسنة 1989 غادر أعضاء الجمعية الإنجليزية للعناية بالحيوانات المريضة وأصبح دفن الكلاب بمقبرة بوبانة نادرا.

وكما أن مقبرة الكلاب بطنجة أصبحت ضمن تراث المدينة يوجد بمدينة الجديدة مقابر تراثية للمسلمين والمسيحيين واليهود، مقابر الديانة الرسمية للبلاد يطالها الإهمال والنسيان ومقابر الجاليات المسيحية واليهودية تدبر لها العناية والاهتمام. وبأزمور حالة فريدة وغريبة شبيهة بمقبرة بوبانة بطنجة، إلا أنها في خانة التناقض، إنها “روضة الغرباء” بجانب مقبرة مولاي بوشعيب أرض جرداء لا تتوفر على الشواهد كانت وقت الحماية وما قبلها تستقبل الموتى من الوافدين المعوزين على المدينة، وكانت هذه الظاهرة العنصرية بامتياز تفرز الصراع الطبقي حتى في فرض القبور على الموتى، وبالجديدة أيضا مقبرة صغيرة كانت مخصصة للأثرياء وأهل الإقطاع بجانب مقبرة الفقراء.

وبعيدا عن المقابر توجد أوجه التشابه ونقط الالتقاء بين طنجة والجديدة تواجد الحاليات الأجنبية منذ خمسة قرون من أجل التجارة حتم بالمدينتين إقامة عدة منشآت معمارية تتمثل في الكنائس والأديرة والبيعات ومقرات القناصل والمصارف والقيادات العسكرية وخزانات المياه والسلع والأسلحة. هذه المآثر العمرانية بقيت شاهدة على حضارة وعراقة هتين المدينتين، حتى أن بعضا منها أصبح مدرجا ضمن التراث الإنساني (القلعة البرتغالية بالجديدة) ولهجات أهل البلد ممزوجة بكلمات أجنبية من شتى اللغات (فرنسية، إسبانية، برتغالية، إنجليزية) الشي الذي يدل على تلاقح الأجناس بكل من طنجة والجديدة عبر الحقب التاريخية، وتبقى هتان المعلمتان سياحيتان بامتياز ورهينتان لدراسات أنتروبولوجية. بطنجة يسميها الحسن بن الوزان “طانجيه” ويسميها البرتغاليون “طنجر” وكان يسميها العامة “طانجيس” والجديدة كان يسميها الأهالي “البريجة” وعند استيلاء البرتغال عليها سميت “مازاكان” وبعد طردهم من طرف السلطان سيدي محمد بن عبد الله ودمرت بالمنجنيق والقنابل سميت “المهدومة” وبعد إحبائها سميت “الجديدة”.

طنجة لها ذاكرة مع الأندلس، منها أسس طارق بن زياد فتح الأندلس، وإليه التجأ مسلمو الأندلس عند اندحار ملوك الطوائف هروبا من التقتيل والتهجير الذي مارسته ملكية إسبانيا بتزكية الكنيسة. والجديدة لها ذاكرة مع البرتغال والبرازيل مكث بها البرتغال قرنان من الزمن استعملوها مركزا للاستيراد والتصدير وكانوا يصدرون حتى البشر من البنات لملكات البرتغال والأطفال إلى حقول الزراعة بأمريكا اللاتينية، ولما اندحر البرتغال فر الجيوش عبر البحر وتركوا جاليتهم معزولة داخل القلعة، ولم يقف إلى جانبهم ملك البرتغال وقرروا السفر إلى البرازيل وأسسوا بها مدينة سموها مازاكن تيمنا بمازاكان المغرب.

إن كل من يزور سواء طنجة أو الجديدة تحدوه رغبة كبيرة في معاودتها دائما أو السكن بها وحتى الفنانين والشعراء أو الكتاب كانوا ملهمين بزيارة طنجة والجديدة والبقاء بها لمدة طويلة ومن عشاق طنجة ديلاكروا وتينسي وليامز وماركن سكور، والملهمون بالجديدة هم رولان بارت وكلود أوليلي والزبيت وبورت لان كاستر. وبعد نقط الالتقاء التاريخي والتراثي والثقافي بين طنجة والجديدة نعود لمقبرة “بوبانة” لنغوص في العلاقة الهولامية فيما بين الكلاب المدللة وأصحابها بشمال طنجة وبجانب الحي الذي كان يسكنه نزلاء مقبرة بوبانة، الكلاب راقدة على الضفة اليسرى وأصحابها راقدون بالضفة اليمنى، ومن هنا يظهر أن علاقة الإنسان المفعم بالوجدان يطبعها الود والصداقة حتى بعد التوارث، ومن خلال وضعية القبور هناك تقرأ انتماءات طبقية ليس بعيدا أن القبور المرصعة والمنقوشة تعود بأصحابها إلى حياة أرستقراطية والقبور التي نالت حظها من الإهمال لا يتعدى أصحابها الفئة المتوسطة، وهكذا تظهر الطبقية حتى من خلال وضعية الموتى.

مقبرة الكلاب بطنجة تعطينا صورة للتمييز الطبقي حتى فيما بين الحيوانات وتعطينا كذلك انطباعا قويا على النشأة الأرستقراطية لهذه الطبقة. وكلاب الجديدة نشأتها ورعايتها لا تتعدى مستوى الأغلبية الساحقة من أبناء الطبقة المهمشة بالجديدة، حتى أن بينهم من هو دون عتبة الفقر بكثير ومنهم أطفال الشوارع الذي يقتاتون من قمامات الأزبال ومنهم من يرمى به خارج المستشفى وهو ما زال مريضا ومنهم من يلفظ أنفاسه فوق الرصيف ومنهم من تقطعت أوصاله داخل سجن سيدي موسى بالحريق.

وحتى الكلاب بالجديدة كانت تقنص وتوضع داخل قضبان عربة البلدية لترمى بالرصاص. والعلاقات الحميمية التي كانت تربط بين الجاليات الأجنبية بطنجة وكلابها تجسدت حتى بعد الموت، مقبرة الكلاب ومقبرة أصحابها لا يفصل بينها إلا واد صغير يتحف أسماعهم بأصوات موسيقية لا تتوفر للأحياء، وكأن الود والحنان وحياة الرغد والترف انتقلت إلى هؤلاء الكائنات حتى بعد الموت. وهكذا تحدث كلاب طنجة الحتمية الطبيعية التي تفصل بين الأم وولدها وبين الرجل وزوجته. وحافظت على سيرورة عاطفة مخضرمة فيما بين الحياة والموت. والمقابر بمدينة الجديدة لا تحترم من طرف المسؤولين، تمنح بجانبها رخص لبيع الخمور دون اعتبار لكرامة الموتى، وإنما الاعتبار الوحيد بهذه البلاد هو الإثراء من تجارة الخمور ولو على حساب الموتى، ومصالح الأوقاف والشؤون الإسلامية لا تهمها إلا المداخيل وإقامة الآذان في أوقاتها المحددة. وبجماعة تقرب من الجديدة أشباه مقاولين مرورا صفقات تسييج المقابر على حساب الموتى. وهكذا أصبح الموتى بالجديدة قنطرة لملء الأرصدة البنكية ولتحقيق رغبات الإثراء غير المشروع.

وإذا كانت كلاب طنجة تتمتع بالترف والرغد وسماع الموسيقى حتى خلال مماتها فإن مواطني الجديدة يتبعهم الإهمال والإقصاء حتى بعد موتهم ويمارس عليهم أسلوب الاستغلال الفاحش وهم داخل قبورهم، بل وصل استغلال الموتى بمقبرة مولاي بوشعيب بأزمور إلى حد إخراجهم من قبورهم وتركهم عراة في الهواء الطلق تحت وضعية لا يقبلها أي قانون وضعي أو أية ديانة عبر تاريخ الإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *