fbpx

حروف وشضايا ..إصدار جديد للكاتب والشاعر عبد الرحيم شهبي

1/تقديم

سلاحي هو القلم، هذا الحبر الأسود الممزوج بدمي، أستخدمه حيث الحزن والألم، وبشكل عابر حيث لحظات الفرح الكوني، التي تغمر العالم، لكنني لا أظفر منها إلا ببعض اللحظات الخاطفة..
وها قد اشتعل الرأس شيبا، دون أن أروي ضمئي ماء زلالا من معين الوطن.. ماء الوطن لا يزال غورا، تحت حذاء من يحتل أديمه، ويمنع أحلامنا من التحليق في سماءه..
كنت دوما أحب أن أتسلق الجبال، لكن قانون الانتماء الاجتماعي، كان يجذبني بقوة إلى السفح.. أحاول أن أخترق جدار المستحيل، لأحلق في السماء الزرقاء، لأعانق ضوء الشمس، وسناء القمر، لكنني أجد نفسي في قاع القاع، مقصوص الجناحين، فأفتح للذاكرة عدة نوافذ، منها أرتشف بصيص جرعات، تنتشلني من قلقي اليومي، الذي لن يغادر مركبي إلا إذا غمر السكون سائر جسدي، وصرت حطبا للتراب..
وما أصعب أن تغادر مركب الحياة، أو يتداعى إلى سمعك أنباء رحيل أخ أو رفيق، ولا تتمكن من أن ترسم على جبينه قبلة وداع..
عشت هكذا مفكك الأوصال، لم أجد عندي وطن أعيش فيه، إلا الوطن الذي يعيش في أطيافي ومخيلتي، لم أجد وطنا له جسد وقوام، ألمسه بجوارحي، أو أشم أريجه، أو أرى بهاءه في عدسة الواقع، لقد ظل الوطن عندي مجرد روح، تنام على سرير فؤادي، وحنين يقبع في عتمة مخيلتي، وأطياف تسكن ذاكرتي، أرسمه بالطبشور على سبورة سوداء، وأحفظه لتلاميذي أناشيدا وأهازيجا، تريد معانقة الحياة..
وما أصعب أن أعيش هكذا في وطن، وأنا أشعر بأنني مبعد عنه، محروم من رؤية محياه تبتسم، تعانق إرادة الحياة، وكأنني لاجئ خارج حدوده وضفافه..
من زرع بين ضلوعي هذا الإحساس
من ضرب أخماسا في أسداس
من في نهاية الرحلة أوصلني إلى هذا الإفلاس؟!..
وعندما أوقن بأنني مهزوم لا محالة، ولا مفر، وإلى الأبد، أقرر أن أخرج من هذه المعركة بأقل الخسائر، على الأقل أنتصر باللغة والإبداع، بالشعر والنثر، والتشخيص الدرامي، على رقعة من الركح المظلمة في هامش صغير، أتكلم مع نفسي، وكأنني مجنون ليلى يخاطب أطيافها..
أنتصر فقط بالابتسامة، فالمنهزم إذا ما حافظ على ابتسامته أفقد المنتصر لذة الفوز، كما يقال، وعلى ذلك لا أزال أدندن.. على الأقل أحضى بشرف هزيمة، وأقاوم ذل انتصار ثمل بطر ومدمر، لا يبقي ولا يذر، قاهر لحياة البشر..
فكاتب هذه اليوميات هو مقاتل في حالة طوارئ، وهذه حالة أصبحت أصلا وليس استثناء، فعندما يسحق الجميع ويستسلمون، ينبعث من رماده، عند الجدار الأخير، يكتب على ضوء القمر، وخفوت الليل الساكن، ما يعيد للروح قوامها، وللزنابق رحيقها، وللطيور المهاجرة أوكارها، يبدع عالما موازيا ينتشلنا من الموت الجارف، الذي يجتاحنا..
وكما يقال للمقاتل “عين على الشمس، ويد على الزناد”، فالأستاذ مقاتل أيضا في حالة تعبئة قصوى، بكل جوارحه، عين على التلاميذ حتى يزيلوا الحجارة عن باب مغارة عقولهم، ليخرجوا ويروا أبجدية النور في سماءهم الصافية، ويد على الطباشير تخط كلمات بيضاء على قطعة خشب سوداء، ولسان لا يفتأ يرسل أهازيجا تملأ الفضاء حبا وأملا.
هذه اليوميات هي ليست استعارات بلاغية، من نسيج المخيلة، تفتري على الواقع، أو توظف الحدث حسب قانون الرغبة والإرادة؛ إنها “ضربة الجلاد” التي ما فتأت تلهب ظهورنا في كل لحظة وآن.. فتجعلنا بلا بوصلة، كمجتمعات بدائية في جودة الحياة، نهيم على وجوهنا، يسوقنا السوط من المهد إلى اللحد إلى حتفنا..
هي طرق قوي على الذاكرة، وزلزلة كيانها، لتخرج أثقالها، ومعلوم-وكما يؤكد رائد مدرسة التحليل النفسي- أن اللاشعور لا يعرف الفناء، لذلك يرى النائم موتاه وكأنهم أحياء، ولا يعرف أيضا مفهوم الزمن، لذلك يرى أيضا نفسه طفلا وكهلا في آن واحد..
لكن عندما نجبر الأموات ليعيشوا معنا، ألا نموت قبل موتنا البيولوجي، نصبح نحمل نعوشنا، نطوف بها بين الأحياء، فتتحول حدائقنا الخلفية إلى مقابر؟!..
أليس الماضي الذي نعيد كتابته، نستغرق عمرنا في الحكي عنه، نحرق كثيرا من بخوره في أكواخنا المهشمة، لنعيده ليملأ الحاضر والمستقبل، يحجب الأفق من أمامنا، يجعلنا قابعين أبدا في سجن النوستاليجيا، نتغذى فيها على فاكهة الأموات؟!..
لكن في المقابل ما هو المطلوب منا.. هل إخصاء الذاكرة هو الحل؟!.. وقد قيل التاريخ مليء بالعبر والحكم، من وعاها أضاف أعمارا إلى عمره.. حضور الذاكرة هو تجل، يتلوه تخل وتجاوز، يعقبهما تحل وإبداع..
ومن يجرأ على القول؛ أن الحكي بوظائفه السردية الجمالية، هو مسكون بنزعة ماضوية مقرفة، كلا إنه عابر للأزمنة، وقادر لتفسير إشكالات الحاضر، وحدس استشرافات المستقبل..
يومياتنا تشبه دودة القز التي لم تخرج من شرنقتها بعد، بل أحيانا تخاف إذا ما خرجت أن تموت، بدل أن تتحول إلى فراشة وتطير بين الزهور..
نحن لا نبدأ دائما من حيث انتهى الآخرون، فنعيد نفس تجاربهم، وتظل أقدامنا مشدودة إلى قيد الزمن الدائري..
أحيانا لا يكون هناك أفق في آخر النفق، بل نفق آخر يغتال الأفق، وما يسمونه تدريس في فيافي الفرعيات، هو اعتقال يحمل نفس المعانات حتى إشعار أخر.. وليست هناك ولادة جديدة، لا جديد سوى القيود التي تجعلك تنهار من الداخل، فترتدي إلف العادة، وتصير العذابات اليومية المكررة جزء من الحياة المألوفة، وجزء لا يتجزأ من هوية مجروحة، وإذا ما نطق لسان أو خط قلم على بياض هذه الهوية المجروحة خربشاته اليومية، أخرسته ألسنة حداد، أشحة على الكشف، حالها يجبرك على الاستسلام؛ هذا أمر عادي، سوف تعتاد عليه، وتتأقلم مع بيئته، وسوف تتبلد حواسك الخمس.. لكن الحقائق لا تموت، لكننا أحيانا ندير ظهورنا لها، لكي لا نراها، ونستغشي ثيابنا في آذاننا لكي لا نسمع صخبها الهاذر.. وعندما تضيق العبارة، تتسع دائرة الألم..
يبلغ الألم حد الحد، فينطلق القلم يكسر صمت الرتابة وقرف اليوميات، يقلم عتمات ما كان جنينا في عالم المجهول، ليخرج بعد مخاض وليدا إلى عالم المعلوم..
في الليل ثقب على زجاج النافذة، يتسلل من كوته ضوء القمر والنجوم، المكان أشبه بمقبرة مهجورة، في الداخل شبح جاثم على الأنفاس، الجدران تتمايل يمينا ويسارا، السقف يرتفع ليلامس السماء المفتوحة، ثم ينحدر ليطأ الرؤوس الواطية، فيهبط بك إلى أسفل سافلين، ليست هناك نسمة هواء واحدة، تسعف رئة لم تعد تقوى على الشهيق والزفير، فتظل تلهث وتتلوى من الاختناق، وعندما يتحرك لهيب شمعة، ترتعش الأرواح، تظن أن وراء الجدران شيئا ما يتحرك ببطء، لا يريد أن ينكشف أمره، ها هو يفتح أبواب نفس تتهادى، يختبأ وراء عتمة تستقر في ركن قصي من الزاوية، يظهر يختفي في لعبة شد وجذب لا تنته، عقارب الساعة متوقفة، بل صارت صدأة، حتى يطول الألم، ويبلغ مداه..
الخوف يحتل عالم الشعور، أغرس رأسي تحت الوسادة، يسرق مني الفضاء، فلا أعود أقوى على إطلاق النظر مرة أخرى..
كيف صمدت؟..
أنا لم أصمد،أنا اكتشفت جبني..
وكيف تحملت؟..
أنا انهدم كلي، ولم تتبقى مني سوى هذه الذكريات..
لكنك لازلت تجرأ على حمل القلم، وكتابة هذا السفر الطويل..
أنا لم أكتب شيئا، الذكريات هي التي تكتبني..
اعترف ماذا كتبت؟
كتبت أحزاني، وأدمنت على ذكر أوهامي، وكان القلم هو دائي ودوائي..
إذا أنت متهم بجريمة البوح والإفصاح..
فلتبدأ محاكمتكم، فأنا الضحية والجلاد، والدم والسيف، والعين والمخرز، والرأس والمشنقة..
حين نفتح حقائب ذاكرتنا، ونخرج منها آلامها وأفراحها، نبتسم حينا، ونبكي أحيانا، نحمل فسيلة الأمل بسواعدنا، حتى تستقر على الجودي، وتشد جذورها في الأعماق، وحينما أيضا توقد هذه اليوميات الأستاذ من سباته.. حينها أفتخر بكم دوما قراء وأصدقاء..
يتبع..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.