fbpx

بورتريه .. في محبّة قربال عبدُ الناصر، بهاءُ روحٍ وحرائقُ جسَد.

عزالدين الماعزي
1
صديقي عبد الناصر، اكتسبتُ صداقتك بعد هزيمة حرب 67، ليس لأن اسمك طفح مقترناً باسم الزعيم جمال عبد الناصر بل لأنّا جيل الصداقة الذي لنْ يتكرّرَ أبدا. الجيلُ الذي رضع التّهْميش وشرب الاقصاء، الفقر والحاجة إلى تحقيق الذات والتفرد في تسييج طريقه ولوْ بخليط الزّفت والكَرافيط..
سنوات مشتركة بطعم الفُستق بحكم أنك أكبر مني بِسنة ضوئية. أتذكر هنا فضل عمّك المرحوم الاستاذ محمد قربال الذي أوعزتْ لي مصاحبته وغيره من الكبار الكثير من الفوائد، لكي أقرأ وأطالع القصص والمجلّات ومنها إغراءُ قراءة مجلة العربي المشهورة. أما صديقي عبد الناصر فأتذكر الحاحه عليّ واستفزازه لي بقراءته ل(هكذا تكلم زرادشت) للزعيم فريديريك نيتشه ورواية الجريمة والعقاب للشيخ دوستفيسكي وكتاب كفاحي لأدولف هتلر، بتحدّي القراءة في سنّ المراهقة وما أدراك ما سنّ مراهقة أطفال البادية التي تأتي باكرا وبمقدمات ليبيدية شبقية قويّة..
ألححْتُ عليه برغبة المتعطش للقراءة،
فرمى لي بِكتاب نيتشه، ولسان حاله يقول :
– منْ لم يقرأ هذا، فكأنه لم يقرأ شيئا، م قرايتو والو..
أتذكر، حين قراءتي له تأثير هذا الكتاب الصّعب والقوي في تكوينِ شخصيته حتى أنه استلهمه في حياته وأضحت
لي معه حكايا كثيرة يصعب أن أنسجها هنا في لحظة من الذكرى…
الصديق ع الناصر، رغم أنه يصادق أخي (نجيب) ويرتاح له، فإني أحترم اختياره كانسياب الماء في العين وأُفضّلُ صداقته على شنّ حرب معه، ونموت من الضحك معا رُفْقة الجنرال الحمياني فوق برميل ماء حديدي وذبابة تزعجنا وتحطّ رحلها فوق حذائه دون استشارة منه تشكي حظّها العاثر..

2
لصديقي مزايا كثيرة، ومساوئُنا كثيرةٌ بحجم ديدان الارض تقتاتُ من الموجود وتحيا، وتموت إنْ لم تجد ما تفْرزه من خلايا الاندماج.
ع الناصر، الدّاسر، القراصة بشهادة أحد قيدومي الدوار بّا اسماعين بنباق حيث قال فيه كلاما منظوما، ناصحاً مرة :
” ردْ بالك من الموسْ والقرّاصه
والمَا يتْماصى
والحبْ يغلقْ النفّاسه”
ومخاطبا إياه بصيغة المفرد الجمع
” ناصرْ، يا ناصر، يا الدّاسر
دايرْ جوج قرارص
وحده للْعالي
وحده للدْخالي”
رجلٌ مِزاجي، يفكر برائحة الكرموس ولو كان ديال النْصارى، شقيّ إلى أبعد الحدود للدفاع عن حقّه في الحياة، يتوسل الرعْب والعنف في تحقيق مطامحه ولو كره الكارهون. “صدقْ أو لا تصدّقْ” كان يخرج من منزله إلى ساحة الدوار بخبزة الكرُون ساخنة؛ نصفُها تحت إبطه والنصف الآخر في يده اليمني يلتهمها تحت نظرات المتلهفين للحصول على مُورْصُو منها. يرفض أن يبْتّزه أحدٌ أو يخرجَ خاوي الوفاض من دائرة التّقوقع الذاتي.
أنا وبعدي الطوفان شعارُه الخالد، لمن لا يعرفه…

3

مثل سندباد لاجئ، سرّ السعادة لديه يكمن في اللذة والافراط فيها من فساد الأمور.
إنه يظلّ على أُهبة حكْي ممكن لا ينتهي، يحكي وهو يملأ جعْبته بالهواء غير المغشوش. بحنين جارفٍ إلى أول حضن عشٍّ. يترك قلبه لقريته ويتحرك جنوبا كما جناحُ طائرٍ مترنحاً مثل ساقية الدوار، يطفو كسفينة خفَّ وزنُها أو كقلعة صدَمها جرّارُ بلعربي. ذاكرةُ متلصص على وقائع القرية المنكوبة، المنسية بأحلامٍ وصور كراسي متحركة تشمّ روائح جلودها من بعيد، ملفوفة بضمادٍ لجسد منهك عليلٍ. نكتشف بعدها أن عقاربَ ساعة العطب أحاطت بها من كل الجهات وأن المسكنات لم تعد تفيد.
التهدئة تحتاج إلى زيادة عدد الجرعات.. لا شيء يخيف غير الألم.
القرية مليئة بالجرحى والمعطوبين ومن لا يسير على سكّة المشْتهى، الحفاة، المرضى، البُلهاء، الدراويش..، ع الناصر جرّاح يفي بالغرض، يقدمُ البلسم ولا يرهبه انقطاع الكهرباء عن الردهة، فكل النوافذ مغلقة في بلدتي ولا توجد حراسة ليلية لأسْراب النمل، ولمحترفي سرقة المقالع الرملية، أنصاف الرجال الذين يبيعون وجوههم بألف درهم ولا يشتكون.
شاعرٌ مفتون بالكلمة والفعل، شاعرٌ لا يبتلع لسانه خوفا أو ازدراء، يدافع عن رأيه بكل صلابة وقوة، ويصرخ : أطّاك له Attaque le
كما عوّدنا متحمساً في ساحة مباراة كرة القدم الحامية الوطيس، بخليط خُططه الايطالية والبرازيلية ودفاعه المستميت عن عرين الدوار. جلب أبناء المركز إلى الدوار لإجراء مقابلة فوق أرضية (حصيدة) وطلب القتال وهزمناهم شرّ هزيمة لأنهم لم يتعوّدوا اللعب فوق ملعب تربتُه كانت أصلاً، مزروعة قمحا…
انتقلَ من قلْبِ الطاولة والمشي في العاصفة إلى جلْد الذات ومُصالحتها بالتأمل والكلام الموزون مع الانتباه إلى مرآته في تفاصيلها الصغيرة حيث يصبح كل شيء له بعدٌ جمالي وتحوّل من حالة الجمود إلى الصيرورة التي تزرع الامل وتترك الأثر الطيب. يوم واحدٌ يكفي لكي تقفزَ وتمشي منتصب القامة، مؤمنا ببديل وبقضية، ويا جبل ما يهزّك ريح كما يقول أبو عمار.

4
بتقاعدِ عبد الناصر وانجرافه إلى جَوْقة الشيوخ الكبار، أصبح أشبه بزُوربا الحكيم الذي يمشي على مرمى القرْص، ينساب مرحاً كما سُنبلة قمح في قرية صغيرة، لكنه اختار (فضالة) مقراً، ومستقراً بعيدا عن صهد قريته المنشغلة بالتّوترات والحروب الصغيرة التي تقْصم الظهر وأقسم أن يطرقَ باب الصمت كزاهد متعبدٍ في مسجد مدينة الأزهار، يقاسم أصدقاءه ممارسة لعب الكرة الحديدية والتمتع بمشاهدة مباريات الريال، وهو الذي اختارته العزلةُ. ماذا وقد التصقت به تهمةُ الجنون ماشياً في طريق العاصفة؟
إنهُ يشبهنا تماما. من تَسْري في دمائه سِمة محبّة البادية والاعتزاز بفُرسانها الذين لا يشبهون أحدا. كمن يُصدقُ أنّ الهزيمة لا تصنع رجالا من قصب الهواء وإنّما تئدّ أبناءها وتبتسم لارتجاجات حبْل الغسيل ودفء الغناء وأنت تشرب رفقته شايّاً ساخنا وترتدي وراءه نعالا من ريح لتلحق به.

5

قارئٌ شغوفٌ لكتب الفلسفة والتاريخ والدين، وساردٌ لا ينتهي كلما التقى مع الجنرال ابراهيم الحمياني لا يسكُتان عن حكي ليالي ألف ليلة وليلة من المغامرات بلذة الحنين والذكرى. امتدادٌ متين من التاريخ وحديث جارف لتربة الدوار الذي يتسع شمالا وغربا..
حينها تصبح ساحة الدوار مسرحا لروايات هزلية ونقاشات تبدأ من الكرة والسياسة.. وتنتهي بمغامرات جنْسية..
يُهشّم ع الناصر رؤوس الأعداء بألغامٍ ورصاص الكلاشينكوف الروسي الصنع، قبل بداية مباريات فريقنا العلم الأحمر الشعيبي تيمناً بفريق رياضي للمعسكر الشرقي. يُقوّي اللاعبين بحجر الاسمنت وينفخ فيهم ليكونوا حصان طروادة العتيد، فتراهم فرسانا بواسلَ ومقاتلين أشاوس.

في الطريق إلى القوادسْ أو ة النّسيسْ كما نُطلق عليها، حيث العبور إلى قنوات الريّ للاستحمام من حرّ الصيف. شِبه عُراة، يلتهمون كل ما يجدونه في طريق مُتْرب، مثيرين الفوضى وعلى رأسهم المشاغب (فراينكو) و(العيبوز) و.. وجوه أخرى مضاءة بالشغب والفوضى تشمّ الروائح من بعيد وتقضم أصابعها وآخرون يمتلكهم الاستلذاذ بما سيحصل، يحملون قلوباً من بارود وعلى مرمى حجر، يوشوشون تهماً تخدش.. وهم يضحكون يرقصون عُراة بأغان وأهازيج شعبية..
لا هُدنة بينهم وهو يتقدّمهم صوب العبور برقصة تُبلسِم الجراح. لا أحد يعلو صوته ولا من يسعل أو يكُحّ بتوتر أو بدونه، حينها يُخيم الصمت لننطلق صرخته المدوية : انطلقُوا… لقد أصبتُه في رأسه. ويتبعه الجيش العرمرم يشتهون الخراب، أطفالٌ ينتفضون ضد الوقت عنوةً يكتسحون الساحة، يفسدون الجو وسط صراخ وزعيق بّاسماعيل وبلحبيب:
سيرو تلعبو بعيد… الله يلعن من لا يحشمْ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.