عودة إلى ظاهرة الموظفين الأشباح !

اسماعيل الحلوتي

في الوقت الذي يتنامى فيه القلق جراء ما باتت تعرفه بلادنا من أزمات متتالية وارتفاع مخيف في معدلات البطالة خلال العشر سنوات الأخيرة، التي تولى فيها حزب العدالة والتنمية مسؤولية تدبير الشأن العام، لاسيما بعد تفشي جائحة “كوفيد -19” التي خلفت تداعيات اجتماعية واقتصادية موجعة وغير مسبوقة. فوجئنا باستمرار وجود موظفين أشباح ببعض المرافق العمومية، وهي الظاهرة التي كنا نعتقد أنه تم القضاء عليها بما يلزم من الصرامة والحزم.
ذلك أنه لسبب ما قفز إلى الذاكرة مؤخرا خبر كان قد استوقفني كثيرا بإحدى الصحف الوطنية، يتحدث عن شكاية رفعت للسلطات المحلية، يطالب أصحابها بإيفاد لجنة تفتيش إلى مقاطعة أكدال الرياض بمدينة الرباط، التي ترأسها السيدة بديعة بناني عن حزب العدالة والتنمية، للوقوف على مجموعة من التجاوزات والاختلالات وخاصة ما يتعلق منها بظاهرة الموظفين الأشباح، حيث أكدت الشكاية على أن عدد الموظفين المدرجة أسماؤهم بسجلات المقاطعة يصل إلى 340 موظفا، في حين أن المزاولين الفعليين لمهامهم بمختلف البنايات والمكاتب لا يتعدون 200 موظفا. مما عجل بحضور لجنة من المفتشية العامة للإدارة الترابية بهدف افتحاص الملفات المتوفرة.
وبغض النظر عما أسفرت عنه عملية الافتحاص من نتائج، فإن الحقيقة التي لا يمكن لأي كان طمسها، هي أن ظاهرة الموظفين الأشباح بإداراتنا العمومية لم تختف بعد، وأن استنزاف الميزانية العامة مازال متواصلا دون موجب حق في غياب الإرادة السياسية القوية والحكامة الجيدة، فضلا عن عدم ربط المسؤولية بالمحاسبة والضرب بيد من حديد على كل من ثبت تورطه من قريب أو بعيد في هذا الملف الشائك، الذي عمر طويلا.
فالبيجيدي الذي انتقل إلى السلطة عبر بوابة محاربة الفساد وتخليق الحياة العامة، وما إلى ذلك من الشعارات الخادعة والوعود الكاذبة، لم يكن في مستوى تحمل المسؤولية من حيث الوفاء بالتزاماته وترجمة وعوده إلى حقائق ملموسة، استجابة لانتظارات الشعب الذي علق عليه آمالا عريضة. إذ حتى الكثير من مناصريه صاروا اليوم متأسفين على منح “المصباح” ثقتهم وأصواتهم، معتقدين أنه سينشر النور في دروب حياتهم ويخرجهم من دوامة الفقر والأمية والبطالة. لكنه لم يعمل للأسف سوى على خذلانهم ونشر بذور اليأس والإحباط في أعماقهم، حيث زاد من تعميق جراحهم بضرب القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة والإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية، منها التقاعد والإضراب والتشغيل في الوظيفة العمومية، فضلا عن مراكمة الفشل في عديد الملفات وخاصة ملف “الموظفين الأشباح”، الذي يعد من أبرز مظاهر الفساد المستشري ويكبد الميزانية العامة خسائر فادحة.
والموظفون الأشباح ليس المقصود بهم منعدمي الضمير ممن لا يختلف حضورهم عن غيابهم، الذين يكتفون فقط بتسجيل التحاقهم الشكلي بمقرات عملهم ثم يغادرونها إلى وجهات أخرى تاركين معاطفهم معلقة على مقاعدهم أو يقضون أوقاتهم في الإبحار داخل الفضاء الأزرق وغيره، وإنما نقصد الظاهرة المنتشرة في عديد البلدان النامية منذ سنوات طويلة، والمتمثلة في وجود أسماء أشخاص ضمن قوائم موظفي الإدارات والقطاعات الوزارية والجماعات الترابية، يتقاضون أجورا شهرية ويستفيدون من الترقي، دون أن يكون لهم أي وجود فعلي بمقرات عملهم أو يمارسون مهامهم ولو عن بعد…
ولا يقتصر الأمر هنا على الموظفين المرتبين في السلالم الدنيا أو المتوسطة وحسب، بل هناك موظفون من درجات عليا: مهندسون وأساتذة وأطباء بمن فيهم زوجات مسؤولين مرموقين، لا تطأ أقدامهم عتبات مقرات عملهم، يتم التستر عليهم من قبل كبار المنتخبين والموظفين والوزراء في مختلف الجهات والمؤسسات والإدارات، بالمستشفيات والجماعات والعمالات والمؤسسات التعليمية والجامعية وغيرها، منهم من استفادوا من التقاعد النسبي أو التقاعد حد السن ومنهم حتى من يوجد خارج البلاد، وتحول لهم رواتبهم الشهرية إلى حساباتهم البنكية. وطالما استنكرت بعض النقابات والجمعيات الوطنية والحقوقية تستر المسؤولين وبينهم قياديين في الحزب “الإسلامي” على الموظفين الأشباح هنا وهناك، في ظل الخصاص الصارخ في الموارد البشرية بعدة مرافق عمومية، وما له من انعكاسات سلبية على مصالح المواطنين وحرمانهم من حقوقهم الدستورية. فأين نحن من محاربة الفساد والريع والقطع مع الزبونية والمحسوبية وإعادة هيكلة الجماعات وترشيد النفقات؟
إذ بالرغم مما ظلت تتداوله وسائل الإعلام من معلومات عن وجود زهاء مائة ألف موظف شبح، منذ الولاية الأولى للبيجيدي وتعهد قيادته بقطع دابرهم، خصوصا في الجماعات المحلية التي تعرف فيها الظاهرة ارتفاعا مهولا، بسبب التسيب الإداري وحرص بعض الرؤساء على تحقيق مكاسب انتخابوية، وما تم الترويج له من تطبيق الإجراءات القانونية في شأن المتغيبين لمدد طويلة دون مبرر، ووقوف المجلس الأعلى للحسابات خلال سنتي 2016 و2017 على عدد من الغيابات غير المشروعة بصفة مستمرة في مجموعة من الإدارات، فإنه وحسب المعطيات المتوفرة لم يتم عزل سوى حوالي سبعة آلاف “موظف شبح” ما بين 2012 و2017، وهي حصيلة هزيلة مقارنة مع العدد الإجمالي المصرح به !
إن تجربة البيجيدي في قيادة الحكومة من التجارب الفاشلة بكل المقاييس، حيث أنها أضاعت على البلاد والعباد عشر سنوات من التنمية والإصلاحات الكبرى، لافتقار قادته إلى الحس الوطني الصادق، الاستحقاق والكفاءة والخيال السياسي اللازم في التدبير الجيد ورفع التحديات، ابتكار الحلول الملائمة للأزمات والإشكالات الاجتماعية والاقتصادية والقدرة على مواكبة التطورات المتلاحقة في السياسة والاقتصاد والثقافة والفكر…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *