حديث رمضان : صور مشرقة من تحمل شباب الصحابة للمسؤولية

0

عبد الرحيم مفكير

تميَّز صحابة النبي صلى الله عليه وسلم تميَّز شبابهم بتحمل المسؤولية، بتحمل الأعباء، بتقلد الأمور، وهم في السن المبكرة؛ لأن هذه النفوس الوثابة، وهؤلاء أصحاب التضحية العظيمة كانوا يريدون فعلاً نصرة الله ورسوله، كانوا يريدون عز الإسلام، وطاعة الرحمن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأحدهم: ((يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي))، قال زيد: “فتعلمت كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب” رواه أحمد [رواه أحمد برقم (21108)، وحسن إسناده الأرناؤوط وغيره في تحقيق المسند (35/490)]، فهذا تعلم لغة بأكملها، تعلم لغة في خمس عشرة يوماً لحاجة النبي صلى الله عليه وسلم، وحاجة الإسلام، وهكذا استمرت معه هذه الخصلة ليقال له بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام: “يا زيد” لكن القائل أبو بكر هذه المرة “إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه”، وهكذا يقول زيد، وهو يشعر بثقل هذه المهمة، والعبء الذي كُلف به: “فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن…، فقمت، فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف والعُسب، وصدور الرجال” [رواه البخاري برقم (4679)]، وهكذا كُلِّف زيد رضي الله عنه برئاسة اللجنة التي شُكِّلت من الصديق والفاروق لجمع القرآن الكريم، فأيُّ مهمة تلك التي قام بها ذلك الشاب، نفعت أجيال الأمة إلى أن تقوم الساعة، ومن أسباب حفظ الله لكتابه.

كانوا يحملون العلم، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس على صغر سنه: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل))[رواه أحمد برقم (2393)، وقال الأرناؤوط وغيره: إسناده قوي، انظر تحقيق المسند (4/225)]، فيحمل ابن عباس العلم، ويجتهد في جمعه؛ من بعد النبي صلى الله عليه وسلم يتنقل بين الصحابة، يبيت على عتبة هذا، ويحضر مجلس هذا، ويأخذ بركاب هذا، ويسأل هذا، ويسمع؛ حتى جمع علماً غزيراً، فهكذا كانوا في حمل العلم ونشره.

النبي صلى الله عليه وسلم يوكل إليهم مهاماً عظيمة، ولكنه يجد رجالاً يقوم بها، على حداثة أسنانهم، هذا مصعب بن عُمَير الشاب رضي الله عنه يذهب سفيراً إلى المدينة ليفتحها بالقرآن وليس بالسيف، ومعلوم دوره رضي الله عنه، وهكذا معاذ يذهب إلى اليمن، يرسل شاباً واحداً لبلد بأكملها! لكن هؤلاء على قدر القيام بهذه المهمة، فينشر الإسلام في اليمن.

أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه لم يصل العشرين ويقود جيشاً، قال عليه الصلاة والسلام: ((وايم الله)) أي: وأيمنُ ويمينُ،((وايم الله، لقد كان خليقاً للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ)) قال عليه الصلاة والسلام في أبيه وفيه: ((وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده)) [رواه البخاري برقم (4250)].

سار بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل إلى شمال الجزيرة، وينتصر على كل من لقيه حتى بلغ مؤته، وأدخل الرُّعب في قلب هرقل ومن معه، وكرَّ راجعاً إلى المدينة سالماً غانماً بدون أن يقع شيء لجيشه حتى قال المسلمون: “ما رأينا جيشاً أسلم من جيش أسامة” يعني رجع سالماً دون أي إصابة.

كان شباب الصحابة رضوان الله عليهم يقودون السرايا والبعوث، ويحملون رسائله عليه الصلاة والسلام، ويتنافسون في الخروج للتضحية بأرواحهم، ويردُّ سمرة بن جندب، ورافع بن خديج، فقيل: “يا رسول الله، إن رافعاً رامٍ”! يجيد الرمي، فأجازه، فقيل: “يا رسول الله، إن سمرة يصرع رافعاً لو صارعه”، فأجازه، ويبكي عُمير رضي الله عنه، فيشفق عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فيجيزه، فعقد له أخوه سعد حمائل سيفه من صغره، وهكذا ذكر أصحاب السير والمؤرخون أنه قُتل ببدر، وهو ابن ستة عشرة؛ قتله من صناديد قريش عمرو بن ود الذي انتقم منه عليٌ رضي الله عنه بقتله في الخندق [المقتفى من سيرة المصطفى (1/159)].

ويقف اثنان من شباب الصحابة عن يمين عبد الرحمن بن عوف وشماله ليسألانه بحسب المسموعات التي سمعاها من أهليهما عن تاريخ الدعوة في مكة الذي لم يحضراه، فيقول قائلهما: “يا عم، هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك إليه يا ابن أخي؟! قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا” [رواه البخاري برقم (3141)، ومسلم برقم (1752)] لا يفارق الخيال الخيال حتى يموت الأعجل منا.

وهكذا وجد النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه عدداً كبيراً يصلح للقيادة والإدارة، والدعوة ونشر الإسلام، وهكذا كانوا بتربيته عليه الصلاة والسلام رجالاً على صغر أسنانهم؛ يحفظون الأسرار، يحملون الأخطار، يَعبُدون بالليل والنهار، ويضربون بسيف الحق الكفار.

تلك العُصبة المؤمنة التي تابعت النبي صلى الله عليه وسلم، ودار الأرقم للأرقم بن أبي الأرقم المخزومي – على صغر سنه وهو شاب – كانت مقراً للدعوة، ولقاءات النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه، والمسلمين الجدد.

لم تكن قضية تحمل المسؤولية والأعباء مقتصرة على أمر الدعوة والجهاد في سبيل الله، بل كانت أيضاً حَملاً للمسؤوليات الاجتماعية، فقد يموت الأب، ويخلف وراءه شاباً، وعنده تركة من الأخوات، من الإناث، من الضعيفات، فماذا يفعل؟ يقول جابر رضي الله عنه: أن أباه عبد الله مات، “وترك تسع بنات” كم هي ثقيلة هذه التركة؟! تسع بنات! البنت تحتاج إلى حماية، ورعاية، وتزويج من الكُفْء، ولي، حكيم.

قال جابر: “فتزوجت امرأة ثيباً، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا جابر، تزوجت؟)) قلت: نعم، قال: ((فبكرٌ أم ثيب؟)) قلت: بل ثيبٌ يا رسول الله، قال: ((فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك))” يعني بكر صغيرة، قال جابر: “إن عبد الله” يعني أباه “هلك وترك تسع بنات، وإني كرهت أن آتيهن بمثلهن، فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن، وتصلحهن وتمشُطهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أصبت، بارك الله لك)) [رواه مسلم برقم (715)]، فهذا يتحمل، ويضحي بالزواج من البكر، ويتزوج بثيب؛ لأنه أحس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه أخواته، والقيام بالتركة الثقيلة التي خلَّفها أبوه المجاهد المقتول يوم أحد شهيداً في سبيل الله.

لم تكن الأشياء التي تولوها خفيفة، يقول زيد في الحديث السابق: “فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن” إنها مهمة ستعتمد عليها معرفة الأجيال اللاحقة إلى قيام الساعة بهذا الكتاب، بكتاب الله عز وجل.

فعلم ما استطعت لعل جيلاً        سيأتي يحدث العجب العُجاب

ولا ترهق شباب الحي يأساً          فإن اليأس يخترم الشــــــباب

فلا بد أن يقوموا لله، أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل رضي الله عنه، وهو شاب.

أعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت رضي الله عنه، وهو شاب.

أعرفهم بالقضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو شاب.

لما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأوصاف، والفقه، والعلم، والإدراك لهذه الأنواع من مجالات الدين العظيمة كانوا شباباً، وكان أُبيٌّ رضي الله عنهم أقرأهم، وجابر بن عبد الله ينقل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بتفاصيلها، ومالك بن حويرث يقدم مع شباب صغار إلى المدينة للتعلم، فينقل لنا صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم.

لما قدم أبو هريرة على النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره لا يتعدى سبعاً وعشرين سنة، وهذه السنوات القليلة التي لازم فيها النبي صلى الله عليه وسلم حفظ فيها ما حفظ.

وكانوا في العبادة كذلك: {لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (النور: من الآية37).

لما قدم المهاجرون المدينة كانوا فقراء؛ ما معهم مال، لعدد منهم لم يكن هناك مأوى، يقول ابن عمر رضي الله عنه: “كنت غلاماً شاباً، وكنت أنام في المسجد”؛ لم يكن له بيت في البداية، وهكذا كان عدد من شباب الصحابة ينامون في المساجد، فروى الترمذي عن ابن عمر قال: “كنا ننام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن شباب”، لكن ابن عمر رضي الله عنه وهو شاب كان لا ينام من الليل إلا قليلاً، وبنى حجرة بيده قال: “ما أعانني عليها أحد من خلق الله” [رواه البخاري برقم (6302)]، وتزوج فيها.

عبد الله بن عمرو بن العاص الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “يا رسول الله، دعني أستمتع من قوتي ومن شبابي” [رواه أحمد برقم (6834)، وقال الأرناؤوط وغيره: صحيح لغيره، انظر تحقيق المسند (11/460)]، ويريد أن يصوم الدهر، ويقوم الليل، والنبي صلى الله عليه وسلم يرفق به، ويقول: “((صم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام؛ فإن الحسنة بعشر أمثلها))، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال: ((فصم يوماً، وأفطر يومين))، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك؟ قال: ((فصم يوماً، وأفطر يوماً؛ فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام))، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا أفضل من ذلك))” متفق عليه [رواه البخاري برقم (1976) بلفظه، ومسلم برقم (1159)].

عندما يتعلق الشباب بالمساجد، ماذا تكون النتيجة؟ يحصدون خيراً، ويكُفُّهُم ذلك عن الشر، ((وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد)) [رواه البخاري برقم (1423) بلفظه، ومسلم برقم (1031)].

كانت التضحية من شباب الصحابة رضوان الله عليهم من أجل هذا الدين مانعة لهم من انغماس في الشهوات، أو اتباع التوافه، والاشتغال بالسخافات، وهكذا.

يا خير جيل على الأرض التي بُسطت              ما سار مثلكم في البر والــــــــبحر

فرسان حرب إذا ما الحرب قد حميت               رهبان ليل إذا ما جُلْت في السحر 

يا خير جيل صحبتم خير من وطـــأت               أقدامه الأرض في حل وفي سفر
هم الذين لشرع الله قد حملـــــــــــــوا               هم الهداة بآي الله والســـــــــــــور

 

صحابيات يتحملن المسؤولية

لم تكن القضية مقتصرة على الذكور، بل الإناث أيضاً، فنشرت عائشة رضي الله عنها علماً لم تنشره امرأة في العالم، ورعت رضي الله عنها خديجة الدعوة، وآزرت النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت المرأة الحانية، المرأة الراعية الأمينة الناصحة المؤيدة المثبتة المساندة لزوجها عليه الصلاة والسلام؛ يأوي إليها؛ فتسري عنه، يشكو إليها؛ فتجلي ما به، تقوم عليه، وهي التي وهبته من نفسها ومالها.

ما أغناه عن الناس، وأم سُليم تقول لأبي طلحة: “والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد؛ ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم فذاك مهري، وما أسألك غيره” [رواه النسائي برقم (3341)، وصححه الألباني في صحيح أحكام الجنائز ص (24)] يعني لا صفراء، ولا بيضاء، لا ذهب، ولا فضة.

لما ندب النبي عليه الصلاة والسلام النساء إلى الصدقة لم يكد ثوب بلال يتسع لما تصدقن به.

الفرق بين شبابنا وشباب الصحابة

لما جعلوا نشاطهم وقوتهم في طاعة الله، فإن الشيخوخة والكبر أين ستكون؟ إذا كان الإنسان في وقت عنفوانه، وشدة شهوته وشبابه هو في طاعة الله؛ عبادة وعلم، ودعوة وجهاد في سبيل الله، وقيام لله بالحجة، ونفع الإسلام، بناء المساجد، وهكذا كانوا في صحبة النبي عليه الصلاة والسلام يتفقهون، يتعلمون، يحمون المدينة، يحرسون، وكان هذا شأنهم، ولذلك فإنهم لما كبروا كبروا على طاعة.

وأما إضاعة وقت الشباب في الملاهي، والملذات، والسخافات، كم من أوقات الشباب تضيع اليوم؟! وفي أي شيء تضيع؟! إتلاف الإطارات! أو تضيع في المقاهي والشيشات! أو تضيع في الشبكة والشاشات! الأرصفة والطرقات تشهد لهم أم عليهم؟ وليت هذا كف شره عن الناس، بل الشر متعدي كما أن نفع شباب الصحابة كان متعدياً أيضاً، لكن شتان بين من نفعه متعدٍ، وبين من شره متعدي.

الشباب قوة عظيمة، وفرصة لا تعوض

لا يحقر الشاب نفسه في أداء دوره، قال الزهري لبعض الشباب: “لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا نزل به أمر دعا الشباب، فاستشارهم يبتغي حدة عقولهم” [سنن البيهقي الكبرى (10/113)]، وقال الحسن البصري: “يا معشر الشباب عليكم بالآخرة فاطلبوها، فكثيراً رأينا من طلب الآخرة، فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحداً طلب الدنيا، فأدرك الآخرة معها” [الزهد الكبير للبيهقي (1/65)]، وقال محمد بن يوسف: “كان سفيان الثوري يقيمنا بالليل؛ يقول: قوموا يا شباب صلوا ما دمتم شباباً” [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي (1/96)].

وهذا الشباب يذهب بسرعة، ثم يتأسف عليه الإنسان، قال أحمد بن حنبل رحمه الله: “ما شبهت الشباب إلا بشيء كان في كُمِّي فسقط” [طبقات الحنابلة (1/76)] شيء كان في الجيب وسقط، يعني يذهب بسرعة.

ولا زال هناك في الأمة – والحمد لله – شباب صالحون يسيرون على هدي الصحابة، ويجتهدون، هؤلاء رحمة للأمة، وينبغي أن يكونوا كذلك ممن سلك سبيل المعالي، وممن إذا جنّ الظلام فلا تراهم من الإشفاق إلا ساجدين، ومن الذين يحملون العلم، فيشرونه، ويدعون الناس إلى الحق.

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سواء السبيل، وأن يُنعم علينا باتباع الحق والتنزيل.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين. اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء ق

Leave A Reply

Your email address will not be published.