حكومة “الله غالب”!

0

اسماعيل الحلوتي

أحيانا يخيل لنا أن القائمين على تدبير الشأن العام ببلادنا، لا يجيدون قراءة الواقع ويتغاضون عن العديد من الحقائق، ولاسيما عندما يتجاهلون بعض الأرقام خشية من أن تكدر صفو حياتهم، وتضيع عليهم لحظات الاستمتاع داخل مكاتبهم المكيفة، بعيدا عن الأضواء وصخب احتجاجات “الغوغاء”. وإلا فماذا يقدم هؤلاء من إبداعات إذا ما علمنا أن معظمهم يعيشون منفصلين عن الواقع دون التفكير في الانفصال عن المنصب وامتيازاته، متناسين ما للتنصل من المسؤولية المنوطة بهم من عواقب وخيمة على البلاد والعباد وتعطيل عجلة التنمية…
ولعله من الواجب علينا تذكير رئيس الحكومة عزيز أخنوش بما ظل يردده حزبه من شعارات براقة إبان حملته الانتخابية، حيث كان يدعي أن “الحكومة التي تحمي المواطن هي التي تضمن كرامته وتستجيب لأولوياته في الصحة والتعليم والتشغيل”. فالبلاد نجحت فعلا كما قال في كسب رهان تنظيم الاستحقاقات الانتخابية ليوم الأربعاء 8 شتنبر 2021 وأن ارتفاع نسبة المشاركة التي بلغت 50,8 في المائة يؤكد رغبة المغاربة في التغيير، لكن أين نحن اليوم بعد مرور سبعة شهور على تعيين حكومته من الالتزامات الخمس والإجراءات الخمسة وعشرين التي تحدث عنها برنامج حزبه “التجمع الوطني للأحرار” قائد التحالف الحكومي الثلاثي؟ وأين دعم الأسر الموعود؟ وهل التغيير المأمول هو ما يعيش على وقعه اليوم المواطن من غلاء فاحش في أسعار المحروقات وأثمان المواد الغذائية؟
ففي ظل هذه الأوضاع المتأزمة الناجمة عن تداعيات جائحة “كوفيد -19” وما تلاها من ارتفاع مطرد في الأسعار، الذي تفاحش بفعل الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في أواخر شهر فبراير، انتظر المغاربة أن تتحرك حكومتهم على غرار حكومات بلدان العالم التي تحترم شعوبها، لمواجهة مسلسل ارتفاع أثمان المحروقات ومعها أثمان المواد الاستهلاكية، لكنها وقفت تتفرج بدل أن تبادر إلى ابتكار الحلول الكفيلة بإخماد النيران التي ألهبت جيوب الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والحال أن هناك عدة مخارج لضمان الأمن الغذائي والطاقي والحد من آثار الأزمة المتفاقمة، ومنها مثلا تسقيف أسعار النفط وإعادة تشغيل شركة “لاسامير”.
وللوقوف على حجم معاناة الأسر المغربية التي تضررت كثيرا من ظروف العيش الصعبة وخاصة في هذا الشهر الفضيل رمضان، بسبب غلاء الأسعار، تجميد الأجور، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وغياب سياسة اجتماعية حقيقية لدعم الفئات الأكثر عوزا، يكفي قادة التحالف الحكومي الثلاثي الاطلاع على تلك المعطيات والأرقام الصادمة التي كشف عنها تقرير المندوبية السامية للتخطيط، فالتقرير الصادر يوم الخميس 14 أبريل 2022 يتحدث عن اضطرار أزيد من 47,4 في المائة من الأسر إلى الاستدانة من أجل القدرة على الإنفاق خلال الربع الأول من سنة 2022 وأن 75,6 في المائة صرحت بتدهور معيشتها خلال ال”12″ شهرا الماضية، وأن 87,4 في المائة تتوقع ارتفاعا في عدد العاطلين عن العمل في “12” شهرا القادمة، كما تتوقع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمزيد من استنزاف القدرة الشرائية وصعوبة تلبية الاحتياجات المعيشية.
ذلك أنه أمام ضغط الشارع الذي لم يفتأ يحتضن الوقفات والمسيرات الاحتجاجية المنددة بتواصل مسلسل ارتفاع الأسعار والمستنكرة للصمت الحكومي المستفز، أبت المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية إلا أن تحمل معها لرئيس الحكومة عزيز أخنوش في أول جلسة حوار بيني من عمر حكومته عدة ملفات حارقة، وعلى رأسها الملف الخاص بحماية القدرة الشرائية لعموم المواطنين، وبحث السبل الكفيلة برفع الأجور في ظل الزيادات الصاروخية في الأسعار، والوضع الاجتماعي الصعب والمقلق للعديد من فئات المجتمع، والذي يقتضي التعجيل بمعالجته من خلال ابتكار حلول ناجعة واعتماد إجراءات ملموسة في إطار الشفافية والتواصل مع المواطنين، كأن تقوم الحكومة بخفض الضريبة على الدخل وتسقيف الأسعار بواسطة قوانين المنافسة، وتعديل قانون المالية الذي أصبح متجاوزا أمام ارتفاع أسعار المحروقات وموسم فلاجي جاف إثر ضعف التساقطات المطرية…
فما يؤلمنا ويحزننا هو أن المغرب الذي بفضل السياسة الرشيدة لعاهله المفدى محمد السادس قطع أشواطا مهمة على عدة أصعدة، مازال في حاجة إلى حكومة تكون في مستوى تطلعات الجماهير الشعبية، إذ أن حكومة أخنوش التي راهن عليها الكثيرون في إحداث التغيير بعد عشر سنوات عجاف من حكم “الإسلاميين”، لم تستطيع هي الأخرى أن تبدع إجراءات واقعية للتخفيف من وطأة الغلاء ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، حيث اكتفت فقط بدعم ملاك المأذونيات دون السائقين المهنيين الذين يدفعون ثمن الغازوال وقيمة كراء المأذونية من جيوبهم. وهو الدعم الذي تفجرت على إثره فضيحة استفادة شخص واحد من الدعم المخصص لمهنيي النقل بما يناهز 32 مليون سنتيم شهريا لتوفره على 200 “اكريمة”. ألم يكن حريا بالحكومة التفكير في حلول موضوعية وأكثر نجاعة، من قبيل إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير”، أو على الأقل استخدام خزاناتها التي تتسع لمليوني طن، وإلغاء التحرير ولو بصفة مؤقتة لتعم الفائدة؟ ثم لماذا لم يتم استغلال أرباح الفوسفاط المرتفعة في دعم الفئات الفقيرة والهشة؟
إننا لا ننفي ما لاندلاع الحرب الروسية/الأوكرانية من تداعيات قاسية، وأن الظرفية الدولية الصعبة والموسم الفلاحي الجاف ساهما إلى حد ما في ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، غير أن ذلك لا ينبغي أن يحول دون قيام الحكومة بما يلزم من تدخل يعد من صميم مهامها والانكباب على اجتراح الحلول الملائمة لمختلف المشاكل. وإلا ما جدوى وجودها إذا كانت عاجزة عن إعادة الثقة المفقودة للمواطنين، مواجهة الأزمات والسهر على تجاوزها؟

Leave A Reply

Your email address will not be published.