لوزير العدل أن يرقص اليوم بانتشاء!

0

اسماعيل الحلوتي

منذ أن حظي بشرف التعيين الملكي وزيرا للعدل في حكومة عزيز أخنوش، وعبد اللطيف وهبي الأمين العام السابق لحزب “الأصالة والمعاصرة” المثير للجدل، يكاد لا يكف عن شطحاته وإثارة “الزوابع” من خلال خرجاته الإعلامية الرعناء وغير المحسوبة العواقب، حيث أنه طالما بدا غير قادر على التحكم في لسانه وانتقاء الكلمات المناسبة في تصريحاته، باعتباره شخصية عامة. ولاسيما عندما أبى إلا أن يسيء الأدب في حق المتقاضين المغاربة و”دينهم” أمام لجنة العدل بالبرلمان، مما أثار حينها موجة أخرى من السخط العارم، وردود فعل غاضبة على صفحات التواصل الاجتماعي وفي البيوت والمقاهي ومقرات العمل، تدين بشدة تماديه في استفزاز المواطنين.
فعلى الرغم من تناسل زلاته وتعدد هفواته أمام مرأى ومسمع من وسائل الإعلام الوطنية، يبدو أنه لن يخرج من تجربته الحكومية خاوي الوفاض، سواء خلال التعديل الحكومي المرتقب أو بعد نهاية ولاية الحكومة، إذ أنه استطاع أن يحقق خطوة إيجابية في اتجاه تطوير منظومة العدالة الجنائية، بعدما نجح في تمرير مشروع القانون رقم43 -22 المتعلق بالعقوبات البديلة، حيث أنه بعد نقاشات طويلة بالبرلمان وتعديلات كثيرة، وعلى غرار المصادقة عليه من قبل لجنة العدل والتشريعات وحقوق الإنسان بمجلس النواب في شهر أكتوبر الماضي، صادقت عليه كذلك وبالإجماع ذات اللجنة خلال جلسة عامة بمجلس المستشارين مساء يوم الثلاثاء 4 يونيو 2024.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا القانون الذي أسال الكثير من الحبر وأثار جدلا واسعا في الساحة السياسية والإعلامية، ووجهت له عدة انتقادات حادة من قبل فرق المعارضة على وجه الخصوص، جاء من أجل إرساء سياسة عقابية حديثة وأكثر نجاعة في إعادة التأهيل، علاوة على رفع الضغط عن السجون المغربية التي تعيش ساكنتها البالغة أزيد من مائة ألف تحت رحمة الاكتظاظ، وتوسيع دائرة الاستفادة من العقوبات البديلة. حيث أنه تضمن حزمة من المقتضيات مثل عقوبة الغرامة اليومية التي تراهن عليها وزارة وهبي في التقليص من ظاهرة الاكتظاظ، والعمل من أجل المنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية وفرض تدابير تأهيلية أو علاجية، كالخضوع مثلا للعلاج النفسي أو العلاج من الإدمان على المخدرات والكحول والكفة المؤثرات العقلية، وأخرى تقييدية مثل عدم الاقتراب من الضحية، الخضوع للمراقبة لدى مصالح الشرطة والدرك الملكي، أو لتكوين أو لتدريب وغيره…
بيد أنه في المقابل حدد ذات القانون مجموعة من الجرائم والحالات التي يستثني فيها الحكم من العقوبات البديلة، وهي جرائم أمن الدولة والإرهاب، الاختلاس، أو الغدر، أو الرشوة، أو استغلال النفوذ أو تبديد الأموال العمومية، أو غسيل الأموال، أو الاتجار الدولي في المخدرات، أو الاتجار في المؤثرات العقلية والأعضاء البشرية، أو الاستغلال الجنسي للقاصرين، أو الأشخاص في وضعية إعاقة.
وفي هذا السياق أشار الوزير وهبي إلى أنه تم أثناء إعداد نظام العقوبات البديلة في المنظومة القانونية العقابية والتأهيلية الوطنية، استحضار المرجعيات والقواعد والمعايير الدولية المعتمدة، وفي مقدمتها المبادئ العامة الواردة في قواعد الأمم المتحدة الدنيا النموذجية للتدابير غير الاحتجازية، لضمان التوازن بين حقوق المحكوم عليهم وحقوق الضحايا وحق المجتمع في الأمن العام ومنع الجريمة. معتبرا أن هذا النص التشريعي صار اليوم مطلبا ملحا، ما انفك عدد من الفاعلين الحقوقيين والقانونيين يدافعون عنه بقوة في عدة مناسبات، وتم استحضاره أيضا في عديد المحطات مثل أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة، مناظرة مكناس حول السياسة الجنائية، والحوار الوطني بخصوص الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، دون إغفال دعوة الملك محمد السادس إلى اعتماد نظام العقوبات البديلة في خطابه السامي الموجه إلى الأمة يوم: 20 غشت 2009 بمناسبة إحياء الذكرى 56 لثورة الملك والشعب.
وخلافا لما سبق لنا اعتقاده من أن قانون العقوبات البديلة، تم تفصيله على مقاس أبناء الأثرياء القادرين على شراء عقوبتهم الحبسية مقابل معانقة الحرية دون وجع الدماغ، فإنه وبعد قراءة متأنية لما جاء به من مقتضيات، بدا واضحا أن له الكثير من الإيجابيات، حيث أنه إلى جانب كونه يعد خطوة إيجابية في مسار الإصلاح التشريعي، وآلية من بين الآليات التي من شأنها الإسهام في إدماج المستفيدين منه، وكذا إنعاش آمال التخفيف من اكتظاظ سجون المغرب، خاصة أن هناك أزيد من 23 في المائة من السجناء الذين تتراوح عقوبتهم ما بين شهرين وسنتين فقط، فلماذا تبقى مثل هذه الفئة داخل المؤسسة السجنية ولا تستفيد من بعض العقوبات البديلة؟
إننا إذ نثمن مضامين قانون العقوبات البديلة وننتظر التعجيل بإخراج مشاريع القوانين ذات الصلة، وخاصة مشروع القانون الجنائي والمسطرة المدنية والجنائية وتعبئة الموارد المالية والبشرية لتنفيذه، نؤكد على أنه ليس وليد الحكومة الحالية، بل استمر التفكير فيه منذ عدة سنوات. إذ أنه بناء عما وقع من تحولات على السياسات العقابية المتبعة في مختلف أنظمة العدالة الجنائية، أبانت التجربة عن عدم فعالية العقوبات السالبة للحرية في تحقيق الهدف الردعي الذي من شأنه الحيلولة دون حالات العود لارتكاب الجريمة، بالإضافة إلى أننا لا نشكك أبدا في قدرة قضاتنا على تنزيله بكل شفافية ونزاهة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.