إسماعيل الحلوتي
أكاد أجزم أنه ليس هناك مغربي حر داخل المغرب وخارجه من المعتزين بوطنهم، لم تهتز مشاعره بسبب الأحداث المأساوية التي شهدتها المدينتان السليبتان سبتة ومليلية خلال يومي و 31 يوليوز 2026، كما تشهد بذلك مقاطع فيديو توثق بالصورة والصوت لذلك العبور 30 الرهيب على منصات التواصل الاجتماعي، حيث آلاف الشباب يرغبون في الانتقال إلى الضفة الأخرى بأوروبا بحثا عن حياة كريمة، بعد أن ضاقت بهم السبل وانسدت الآفاق أمامهم. ولاسيما أن هذه الأحداث “الصادمة” جاءت متزامنة مع تخليد الشعب المغربي الذكرى السابعة والعشرين لتربع جلالة الملك محمد السادس أدام الله نصره وعزه، على عرش أسلافه الميامين….
فإلى جانب الصمت المطبق للحكومة وتعدد النعوت والأوصاف التي أعطيت لهذه الأحداث الموجعة والمستفزة للمشاعر، حيث هناك من اعتبرها فضيحة عالمية مدوية، وهناك من اعتبرها مأساة إنسانية، وهناك من رأى فيها أزمة بنيوية اجتماعية، وهناك أيضا من لم يتأخر في وصفها بالغزو الهمجي المباغت، فضلا عن وجود من ذهب إلى أبعد من ذلك متهما المخابرات المغربية بالضلوع في اندلاع هذه الأزمة، عبر تمهيد السبل لآلاف الأشخاص من مختلف الأعمار للعبور نحو مدينة سبتة… تضاربت الآراء كذلك حول الأرقام والمعطيات التي أعلن عنها من لدن السلطات المغربية ونظيرتها الإسبانية، مما ساهم في خلق أجواء من القلق والارتباك في أوساط المواطنات والمواطنين المغاربة وانتشار الشائعات بينهم.
إذ أنه وفي الوقت الذي أشارت فيه المعطيات الرسمية الصادرة عن الجانب المغربي إلى أن عدد المشاركين في هذه الهجرة الجماعية غير النظامية يقدر حسب ما ورد على لسان الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية صباح يوم الأحد 2 غشت 2026 بحوالي 40 ألف شخص، وأن حصيلة الوفيات لا تتجاوز في المجمل حالة عرضية واحدة وعشر وفيات أخرى ناجمة عن الغرق، تحدث وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي – مارلاسكا عن دخول نحو 72 ألف مهاجر إلى مدينة سبتة بصفة غير قانونية، ومقتل ما لا يقل عن 70 شخصا منهم. وهذا التباين الصارخ في الأرقام، أدى إلى طرح العديد من الأسئلة حول مصداقية السلطات المغربية ومدى قدرتها على التدبير الجيد لمثل هذه الأزمات العابرة واتخاذ التدابير الوقائية الضرورية من أجل تفادي حدوث مثل هذه المآسي الإنسانية مستقبلا….
وبالنظر إلى تضارب الأرقام والمعطيات حول حصيلة أحداث سبتة المحتلة، التي مازالت تداعياتها ونتائجها المأساوية متواصلة، سواء من حيث عدد الأشخاص المشاركين في “الهروب الجماعي” أو عدد الوفيات والمفقودين أو عدد المعتقلين وغيرهم دخلت على الخط الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي دعت في ندوة صحافية استقبلها مقر الجمعية بالرباط يوم الجمعة 7 غشت 2026، وذلك بتنظيم ذات الهيئة الحقوقية والتنسيقية الأوروبية من أجل حقوق الإنسان في المغرب، إلى فتح تحقيق مستقل، شامل وشفاف لتحديد مختلف المسؤوليات، وكشف ملابسات الأحداث وترتيب الآثار القانونية اللازمة” منتقدة عدم إعلان الحكومة ولو من باب التضامن واللياقة الإنسانية حدادا وطنيا على أرواح ضحايا هذه الفاجعة الكبرى….
فأمام التضارب الحاصل بين مختلف المعطيات والإحصائيات حول هذه المأساة الإنسانية” التي اهتز لها ضمير العالم، يرى بعض الباحثين في مجال الهجرة أن الحاجة اليوم أصبحت أكثر إلحاحا إلى ضرورة التعجيل بإحداث مرصد وطني للهجرة، ليس فقط بسبب تضارب الأرقام في الأحداث الأخيرة، بل ليكون بمثابة مؤسسة عمومية مستقلة وقادرة على إنتاج المعرفة وتوفير كل ما يلزم من بيانات دقيقة إلى جانب المساهمة في بلورة سياسات عمومية ذات ارتباط وثيق بالموضوع وصناعة القرار السياسي…
من هنا وفي انتظار استقرار الأمور في المنطقة وعودة الهدوء إلى الأسر المكلومة، وقيام الجهات المعنية بفتح تحقيق دقيق وشفاف، والكشف عن الأرقام والمعطيات الحقيقية أمام الرأي العام الوطني، فيما يتعلق بعدد الأشخاص المنخرطين في هذه الهجرة الجماعية غير النظامية، وعدد الموتى والمفقودين والمعتقلين يتعين على مدبري الشأن العام ببلادنا استخلاص العبرة من هذه المأساة الإنسانية، لاسيما أنها ليست المرة التي تتعرض فيها مدينة سبتة المحتلة إلى مثل هذا “الغزو” اللافت، إذ سبق أن عرفت تدفق آلاف المهاجرين غير الشرعيين في ماي 2021.
ففي هذا السياق، يجمع عديد الخبراء والباحثين على أن ما وقع في مدينة سبتة تحديدا أواخر شهر يوليوز 2026 من أحداث مأساوية، ليس له من تفسير آخر سوى فشل السياسات الاجتماعية للحكومات المتعاقبة وتفشي ظاهرة البطالة في أوساط الشباب المغاربة الذين يعانون منذ عقود من التهميش الاجتماعي، ضعف التنمية الاقتصادية في مناطق الشمال خاصة بعد إغلاق الحدود مع الثغور المحتلة وتوقف التجارة المعيشية، ولا يجدون من سبيل للانعتاق عدا المخاطرة بحياتهم، يحذوهم الأمل الكبير في الوصول إلى أوروبا، اعتقادا منهم أن هناك في بلدان المهجر يمكن للحكومات أن توفر لهم من العيش الكريم واحترام الحقوق، ما لم تستطع حكومات بلادهم تحقيقه لهم….
إن النزوح الجماعي المشار إليه أعلاه يعكس عمق الأزمة الاجتماعية التي ما انفكت تتفاقم بسبب التهميش واستشراء الفساد، مما يستدعي العمل على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى مثل هذه المآسي، والحرص على ضمان جودة الخدمات في التعليم والصحة والنهوض بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وفتح آفاق حقيقية أمام الشباب العاطلين وخاصة حملة الشهادات العليا….
