أنثربولوجيا الفروسية ـ التبوريدة ..

0

د محمد فخرالدين

“صهيل الخيل على السفح إما الصعود .. وإما الصعود “.
محمود درويش (ورد أقل) ص 39.
الخيل ثقافة وموروث، تاريخ وتراث، هي مؤثث أساسي في المواسم التقليدية ووسائل أساسية لتحقيق الفرجة الشعبية ، والعودة إلى إحياء هذا التقليد لن يكون إلا إيجابيا، لأن هذا النوع من الرياضات منغرسة في المتخيل الجمعي …وكما هو في الحديث النبوي : “علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل..”.
والملاحظ أن هناك تجربة وخبرة مغربية أصيلة في تربية الخيول وإعدادها للتباري والظهور في الميدان وإبهار المتفرج ، واعتداد الفارس بفرسه واضح وهو جزء من الديكور العام الذي يجعل الآخرين يحصلون على الفرجة ..
إنه عودة إلى ذلك الزمن المجيد، حيث لم يكن الفرس مجرد ديكور أو أكسسوار للفرجة ، وحيث لا يرى الفارس نفسه إلا فوق صهوة جواده، وحيث يكون امتلاك الفرس مروءة ونخوة وأصالة وحظوة اجتماعية ..
وهناك كلام كثير قيل عن الخيل توارثته الثقافة الشعبية المغربية مثل :
ـ الخيل هبة من الريح ..
ـ للي بغى يركب يركب ادهم
أو كما قيل :
الخيل عراف
الثيران جواف
والجمال كتاف
بمعنى أن طريقة اختيار الحصان يكون بالنظر إلى انسياب شعر عرفه الذي يتطاير مع الرياح …
وتغنت الأغنية الشعبية المغربية بقوة الحصان استحضرت إيحاءاته الرمزية ..
ـ العود البرقي في الغابة يجري
ـ كون شافو حبيبي هو يسرجو
وما قيل في الخيل أيضا :
ـ دهم مغلوق
ـ ولا زرق مشقوق
ـ و لا برقي محروق
ـ لا لقيتيه في السوق
ـ عرف راه مسروق
أي أن صاحبه باعه سرقة خوفا من القبيلة …
أما السير الشعبية والحكايات فقد أشادت كثيرا بالفرس وبرمزيته، واتخذته رمزا للبطولة والمجد العربي الضائع ..
والتمييز بين الخيول ينبغي أن يكون حسب المعايير التالية :
ـ البرقي خارج من تحت مو
والأزرق تا يجمع فمو
والادهم ما ترفد همو
الفرس
اختلفت أصناف الخيول وتعددت ألوانها، والألوان المشهورة هي :
ـ الأدهم وهو الحصان ذو اللون الأسود.
ـ ريال بيض وريال زرق ..
ـ الأزرق ـ حط الريال : وردة بيضا ووردة زرقا .. ـ ريال بيض و ريال زرق ..
ـ ريال بيض و ريال زرق ..
ـ حجر الواد
ـ البرقي هو الأحمر
ـ القمري هو الأبيض
ـ السنابي هو الأصفر
ـ الدغمومي الرمادي
وأهم الخيل ثلاثة أساسية تذكرهما الثقافة الشعبية المغربية وتفاضل بينهم :
في المرتبة الأولى، نجد الأدهم فهو جيد دائما وفي كل الأحوال ويعتبره الكثيرون سلطانا على جميع الخيول . ..سلطان الخيل هو الادهم ..
فالأزرق ذو اللون نقطة ريال ازرق وريال أبيض خاصة عندما يخرج من حالة ـ سنان الحليب ـ وينضج ..
ثم البرقي أو الحصان ذو اللون الأحمر الداكن الذي يبقى كما هو و لا يتغير عن وضعه الأول ..
واعتنى الفرسان المغاربة بجودة السروج وجماليتها فاتخذوا سروجا مطرزة، وتحدثوا عن ألوان السروج المناسبة لأنواع الخيول:
ـ السرج الأخضر يناسب الأدهم ويزيده بهاء أو الأبيض السكري ، كما يناسب الأخضر الأزرق …
كما يناسب الأخضر أيضا السنابي ..
ـ السرج الكبريتي يناسب حجر الواد
ـ السرج الأصفر يناسب البرقي ..
زينة الفرس :
يسهر الفارس على نظافة فرسه بعناية فائقة، ويزينه بقلائد جميلة ويسرح عرفه كما تسرح النساء شعورهن، وقد يخضبه بالحناء، أو يضع له النواقيس النحاسية الصقيلة، ويكلل بالقلائد، ويختار لهع السروج المطرزة، العود كنت داير ليه ثلاثة وربعة نواقس أو أجراس ـ ملي يجري يحرك الأجراس في إيقاع جميل ـ
العود يغسلو ليه ـ بشابان ـ الاعتناء بزينته القلادة ..الركاب والسرج المطرج وتزينه بالنواقيس لتكامل الفرجة ..
والخيول تختلف في فرجتها وسرعتها حسب الدم أي الأصل، وحسب التدريب فهناك الحصان الذي يتقدم في الميدان وكأنه يرقص، فأحد الخيول كان مدربا على الرقص وتتبع إيقاعات الطرب الشعبي ..
بين الفارس والحصان :علاقة حميمية :
يعتني الفارس بشؤون حصانه منذ الصغر ويخلق معه علاقة خاصة، تنسجها الألفة ويحركها الحنين ، تصل درجة الفهم والتفاهم إلى أبعد المدى بين الفارس والحصان، فيفهم عنه كل أحواله، هي علاقة شبه حوارية تشبه حوار عنترة مع فرسه :
لو كان علم المحاورة اشتكى …ولو كان قد علم الكلام مكلمي
من الصعب أن يبيع الفارس حصانه، إنه يبكيه إذا ما اضطر إلى ذلك من مخمصة أو حاجة. ونظرا للحميمية التي تجمع بينها وبينه، فهو يقيس حياته بالخيول التي كسبها، الموت أهون عليه من أن يترك الفروسية و المشاركة في المواسم والمهرجانات .. وبكثير من الحنين يحكي الفارس الفقدان : عود عمامي تباع قدامي ـ
و رغم تكلفة الاهتمام بالحصان وغلاء العلف وقلة المساعدات، يتحمل الفارس المشاق ليهيئ فرسه للسباق ويراقب أحواله باستمرار ويسهر على صحته .
وحدث مرة أن مات الفارس، فأحس الفرس بذلك إحساسا غريبا، فبكى مثل البشر، وحزن على صاحبه ، وحفرـ الأزرق ـ بحوافره الأرضية الاسمنتية للإسطبل، وبقي يضرب بحوافره بهيجان عجيب حتى حفر في الأرض حفرة كبيرة، وصارت تحته بركة من العرق .. مللي نتفكر ذاكش كانترفع .. بكاء الفارس عندما يضيع منه الفرس وانفعاله مع ما يحدث داخل المحرك ..
الفرس والاعتقاد :
منذ القديم جدا ترتبط الخير بالبركة والخير ـ الخيل معقود على نواصيها الخيل ـ
ومن الوقفات المحمودة في البيت، وقفة الحصان في البيت التي تدل على قيمة الخيمة وقوة رجالها ..
وتستعمل حدوة الحصان بكثرة لرمزيتها المضادة للحسد والعين ..فهي في الاعتقاد الشعبي ترد عين الحاسد و ـ تركل ـ نواياه الشريرة و السيئة ، وقد يصاب الحصان بدوره بعين السوء فيرقى له ..
و هناك اعتقاد خاص في ارتباط الحصان ـ الخماسي ـ بالعين والحسد، وهو الذي تكون قوائمه الأربع بيضاء وله شمامة بيضاء على جبهته، ويعتقد أنه غير ميمون، ولا يستحب كسبه إلا إذا كانت تصل العلامة إلى فمه فيعتبر شارب الحليب وهو ميمون ومبارك في اعتقادهم …
ويرتبط الحصان وامتلاكه بالخير والبركة، فالحصان أمامه الخير، ويحكى أن الحصان يدعو لمولاه بالرزق من صلاة الفجر حتى صلاة العصر، قبل أن يدعو لنفسه ..
تدريب الفرس:
قد يكون من اليسير تعليم الفرس مبادئ الفروسية ومناورات الميدان في سن مبكر، فذلك يتطلب مدة تقصر أو تطول حسب نجابة الفرس ومهارة المروض، ومن بين أساليب الترويض، أن يجعل في قوائم الحصان قيدا ويربطه الحبل بصدره ليعلمه الدرج على قوائمه الورائية، ويستمر هذا الفعل مدة عشر أيام، وعندما يزيل له القيد، ويقول له : ـ بالي …الحافيظ الله ـ يقصده الفرس، وهو يرقص على قدميه الورائيتين : دايز يشطح بحال العيساوي ..
وينبغي أن يدرب الحصان قبل ـ الموسم ـ بخمسة عشر يوما، ويجاري غيره من الخيل، ويسمع صيحات ـ العلام ـ حتى يألفها : بالي ياحافيظ ، وا هاواه ..
الفارس : شخصية العلام ـ
العلام أو قائد فرقة الفرسان شخصية مهمة في السربة، وله دور مهم في تحقيق النجاح، لذلك كان لا بد أن تتوفر فيه عدد من الشروط، فالعلام عقل أولا و قبل كل شيء ، ومن مواصفات العلام أن يكون رجلا حقيقيا ، أن يكون صبارا ، ويكون مراقبا لرعيته ومعتنيا بها مثل أولاده تماما، يكون عندو العقل كافي، ويجمع فريقه كل مرة لينظر في أحوالهم ، وليعلمهم ويلقنهم مراحل المحرك: ـ ها الهزة ـ ها الخرطة ـ ها العيطة ـ ها التخريجة …
و ليمرن فرقته جيدا يعمد إلى محاكاة مايقع من مشاهد في الميدان، فيثبت الزمام، أو اللجام في أصابع رجليه ، ويحمل البندقية ـ المكحلة ـ في يده، ويوضح لهم : شوفو ها كيفاش تديروا ـ ها الهزة ها الخرطة ..
عندما يكون العلام يتقدم بالعلفة ويكون بصدد الإعلان عن أوان الطلقة ـ الخرجة ـ لا ينبغي لفرسانه أن يراقبوه بالعين ، ينبغي أن يستعملوا آذانهم فقط .. فينبغى إصاخة السمع للعلام لا النظر إليه حتى تصدر الطلقة من البنادق بشكل جماعي متساوية وفي نفس الوقت
وصف الخيول ينبغي أن تكون متساويا في الانطلاق و الوصول، الخيل ـ بحال لا داير ليهم السمطة ـ في اتصال واحد ، لا أحد يتقدم أو يتأخر عن غيره ..وعندما تكون الطلقة الجماعية يرتفع الدخان إلى أن يصعد الى عنان السماء فيكون مثل ـ فراق ـ فوق الفراق أو الخيمة الكبيرة …الشرف كداير ..
و العلام يعطي المثال لباقي الفريق بنظافته وجمال هندامه، فهو يلبس كسوة البيضاء و يضع عمامته البيضاء، والجوارب ويتأبط ـ الشكارة ـ ..
ويكون لباس الفرسان حسب المنطقة ،الهدون ـ الفرجية والتشامير، و ـ البلغةـ تكون حسب اللبسة وقد يلبس الفارس ـ بلغة ـ طالعة تسمى ـ التماك ـ التي تناسب الركاب الأبيض …
كان العلام يراقب فرسانه واحدا واحدا، ويتعهد انضباطهم ولباسهم، فلباس الفرسان ينبغي أن يكون متسقا، فلا يقبل أي نشاز، والعلام ينبه فرسانه ويبث فيهم الحماس لينافسوا ويتغلبوا على غيرهم من الفرق ..ويقدم في نفس الوقت وصيته للجميع ويعلمهم بالمنافسين من الفرق الأخرى قبل الفراجة ..
والسربة أو الفرقة تتكون من خمسة عشر فارسا أو أكثر يتوسطهم العلام ..
كل علام له طريقة وأسلوبه المتميز ، عندو الطريقة ديالو ـ كاين للي يتم غادي مدرج ..
البداية ـ الدرج ديال الخيل ـ التهيئة بصوت العلام / مراحل ثلاثة وإدا كان هناك شبه إجماع على نفس العيطات، يخرج يقول : آحافيظ آحافيظ …
فهناك من يتفرد بعيطة خاصة : ويقول عندما يقف بصدد التخريجة : آلمسافرية..
فراجة الخيل:
فراجة الخيل ليس مثلها فرجة ..فرق متتالية من الخيل أو سربات تتسارع نحو النهاية تختلف في الدرج وفي الوقوف وفي تناسق الطلقات في طلقة واحدة .. تذكر بماض كانت فيه روح الجماعة والتضامن سائدة ..
المرحلة الأولى عندما يسمعون صرخات العلام ـ بالي الحافظ الله ـ يبداوالخيل يدرجو و يتفننوا في ذلك .. هنا الفرجة .. يتم جاي مفنن … وقد يرقص الحصان على جهتين فيهيج المولعين بالفروسية والخيول .. وتكون الخيل المدرجة.. طايبة مع بعضها البعض .. الوذن عل الوذن ..
المرحلة الثانية أو النوضة أو الانطلاقة عادية وعندما يصرخ العلام ـ هاوآهاو.. ويعيد المكحلة إلى مكانها، لا ينطلقون حتى المرة الثانية عندما يسمعون ـ هاواهاو ـ إذ ذاك ينطلقون ..
وفي المرحلة الثالثة عندما يقترب الفرسان من التخريجة أو الطلقة يصيح العلام ـ اباليو الولاد ـ يهيئون بنادقهم ، ثم يصيح : .. أباليو آلولاد ، آالمكاحل، وبعد ذلك يصيح :
ـ أروهم يا حبابي أروهم .. إذ ذاك يطلقون النار مرة واحدة .. وعندما تنطلق التخريجة في اكتمالها يضج كل المحرك ـ من الرأس إلى الرأس ـ ..
أما تعيس الحظ الذي لم يفرغ بندقيته في نفس الوقت مع الجماعة فيخصص له عقاب خاص وهو أن يقود العود راجلا حتى رأس المحرك، وقد يفرض العلام على الفارس الخائب أن يؤدي غرامة مالية ثقيلة ..
مول العود
حقوق الفرس :
وركوب الفرس ليس أمرا هينا، فهو يتطلب من صاحبه عدة شروط، هناك حقوق للفرس على صاحبه، أولا، أن يبتعد عن كل مسكر، وأن يكون على طهارة، وأن مستقيما، وأن يركب بعد أداء صلاته .. وإذا خالف الفارس الشروط فقد لا ينجو من مهلك ..
وعندما كانت القلوب مسلمة، وكان الناس متضامنين ولم تدخل الفرقة الفرسان بعد، كانوا يركبون ثلاث أيام في الأسبوع ويستمرون في ذلك حتى يصل موسم الحرث ..
وعندما يقترب أوان الركوب، وتفصل أيام عشرة عن موسم مولاي عبد الله، وتغسل الخيام ـ الخزاين ـ وتنظف يركب الفرسان خيولهم يومين أو ثلاثة قبل انطلاق الموسم، حتى تألف الخيل بعضها بعضا، عند ذلك يكون الكل مستعدا
أواها ه ـ الخيل وا العلام …

Leave A Reply

Your email address will not be published.