تناقل بعض المستثمرين الاجانب بمدينة الجديدة اثناء لقاءات فنية خبر وضع تص
نيف اليونيسكو للحي البرتغالي كتراث عالمي على محك السحب، وهو ما ذاع كخبر بين الساكنة والمهتمين بأمر الحي على المستوى المدني.
ترجع ارهاصات المشكلة الى وضعية الحي داخل المجال الحضري للمدينة، وما يعرفه من ضغط على مستوى الزيارات اليومية لمآثره، ومحاولة انشاء سوق نموذجية على مستوى سوره الخارجي، مع تعرضه للعوامل الطبيعية والتدخل البشري الذين يشكلان خطرا يصنف سلبيا في اغلب الاوقات، كل هذا في مقابل تزايد طلب الاستثمار داخل جدرانه من طرف من فقهوا أهميته وقيمته الاقتصادية والتاريخية، خاصة من الجنسيات الاجنبية الذين اختاروا العيش بين ظهراني ساكنته المغربية لما عرف عنها من روح التسامح والتعايش والطيبة.
في كلمته للجريدة يؤكد السيد محمد زياني رئيس جمعية الحي البرتغالي وجود خطر السحب أثناء محاولة ارساء ما عرف ب”سويقة أحفير”، بينما نفى السيد أبو القاسم الشبري مدير مركز دراسات وأبحاث التراث المغربي البرتغالي بالجديدة، بشكل قطعي في تصريح للجريدة غياب اي قرار رسمي للجهات المعنية بشأن وضع ملف الحي البرتغالي للنظر في سحب تصنيفه او حتى التهديد بذلك.
سبق وحددت منظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة عدة معايير تستوجب التوفر، لكي يتم تصنيف التراث المرشح ذو القيمة الاستثنائية على المستوى العالمي، من طرف لجنتها المسماة “المجلس الدولي للمعالم والمواقع” – والتي تجتمع مرة كل سنة – وذلك لمناقشة أحقية الملفات المقدمة من طرف الدول الراغبة في الاعتراف بما تزخر به من مواقع اثرية وتاريخية وطبيعية، من هذه المعايير :
– ان تشكل تحفة من صنع الانسان ذات بعد ثقافي وفكري
– ان تنبني على حمولة قيمية انسانية مهمة ومشتركة، وتمثل التطور البشري في فترة من الزمن او في مجال ثقافي او معماري او تقني او فني خاصة على مستوى التخطيط والتصميم
– أن تمثل شهادة تاريخية على مستوى حضارة لازالت قائمة او اندثرت
– أن تشكل مثالا قد يحتذى به لممارسات بشرية ازاء الحفاظ على البيئة والتقاليد، بما يضمن حمايتها واستمرارية العيش على الارض
وقد تم تصنيف الحي البرتغالي بتاريخ 30 يونيو سنة 2004 بعدما عرف عدة تغييرات على مستوى محيطه لا تنساها ساكنة مدينة الجديدة قاطبة، اذ تم هدم حيين آنذاك “حي الرجيلة وحي الدكاكة” (الدكاكة نسبة لصناع الذهب ومن يدقونه) لكي يتم اخلاء المحيط كمنطقة عازلة بما قياسه ما بين 30 الى 60 مترا، وكتعبير عن استعداد المغرب والتزامه بالحفاظ على هذا التراث الإنساني، وهو ما كان سندا للجمعيات المدنية وعلى رأسها جمعية الحي البرتغالي في ترافعها ضد انشاء “السويقة”، امام قيادات المجلس البلدي المنتخب الذي كان قد الزم نفسه بتنفيذ قرارات المجلس الذي سبقه، حسب رواية السيد رئيس جمعية الحي الذي سألهم بما نصه” هل يمكنكم سيدي الرئيس (المجلس البلدي) قبول سحب التصنيف في زمن قيادتكم للمجلس البلدي وان كان القرار قرار المجلس السابق؟”، ويضيف انهم قد تفهموا خطورة الموقف.
ويوضح الباحث الأستاذ الشبري أن المعلمة العمرانية والبشرية –الحي البرتغالي- تم تصنيفها بسبب عناية المسؤولين والجهات الوصية بهذا التراث على المستوى الحكومي، وبسبب تجند الساكنة والمنتخبين بصفتهم اول من يجب ان يعتني بهذا التراث الذي هو ملك للساكنة قبل كل شيء، فالمجتمع المدني هو اول مسؤول والمتحرك الرئيس في هذه المنظومة، اذ “يجب ان يكون لها حضور واحساس بهذا التراث”، فدور التصنيف هو ” ارساء السلم والحفاظ على هذا الميراث الى الاجيال القادمة”، لأنها بذلك “تعمل على صيانة هذا التراث وتلقينه الى الاجيال التي تليها” فالبشر يتبدلون بالرغم من كل العراقيل ونقص التكوين في العناية”.
ويطمئن الخبير ابو القاسم في معرض حديثه: “الساكنة والمسؤولين والجمعيات المدنية والجميع، بأن الحي البرتغالي اليوم هو غير مهدد، فقد راج بأنه يمكن ان يسحب من التراث العالمي، والمعروف ان منظمة ‘اليونيسكو’ لا ترحم، فاذا لم تكن متوفرا على عناية حقيقية بهذا التراث، فمن السهل عليها اتباع المسطرة القانونية، كما انها لا تفضل بين دولة او اخرى، فهي لا تكيل بمكيالين، دليل ذلك انها سحبت موقعا لالمانيا بقدها، كما ان مسطرتها تتضمن مراقبتها لموقعك، فاذا لاحظت انه بدأ يتآكل او يتلاشى، فانها تصدر تنبيها ثم انذارا لتراقب مدى استجابتك وقيامك بواجبك، ثم بعد ذلك تضعك بلائحة التراث العالمي المهدد، لتتبعها بعد ذلك مباشرة السحب المنطقي والاتوماتيكي من لائحة التراث العالمي وهذا ما لا نتمناه لاي موقع من المواقع التسعة المصنفة في التراث العالمي المادي بالمغرب”.
ويرجع الاستاذ الشبري تاريخ بداية عمليات الترميم الى سنة 1996 فقد كان الحي يعيش نوعا قاسيا من التهميش والاهمال، وكان ولوجه من النقط السوداء في ذاكرة المتخيل السكاني، ومع الجهود المتظافرة التي يثمنها برغبة حقيقية لدى العديد من المسؤولين الذين عايشهم في النهوض بهذا الموقع، وصلت جهود الترميم الى تجديد الكنيسة وتحويلها الى قاعة متعددة الاختصاصات ومجهزة بشكل جيد، أيضا المسقاة عرفت العديد من الترميمات للثقوب الموجودة بسطحها، كما ان العديد من الفضاءات تحولت الى قاعات للعروض التشكيلية والتداريب الفنية والمسرحية، كما ان ممرات الحائط تمت اعادة تأهيلها على مستوى الممشى بحجارة مرصوصة”.
مشاكل وعراقيل الحفاظ على الحي البرتغالي:
يصنف الأستاذ الشبري المشاكل التي يعاني منها الحفاظ على الحي البرتغالي الى عوامل طبيعية وعوامل بشرية، فلا يخفى تواجد الحي على موقع مائي مع نسبة الرطوبة المرتفعة في الجديدة، (اعلى نسبة 68 في المئة)، مع نسبة الامطار السنوية، وعلى المستوى البشري فقد رفع سقف المعاناة الى درجة التدخل المباشر في التدبير والتسيير ومنع المختصين من تكوين لجنة التدبير المسؤولة عن متابعة واستكمال الترميم الدائم الذي يحتاجه الموقع مثله مثل بقية المواقع في العالم، مع وجود نسبة كبيرة من الجهل بأهمية اعمال الترميم كقيام بعض المجهولين بسرقة الحجارة المرصوصة على ارضية الممرات، او قيام البعض بالترامي على حوائط الممرات بثقبها اما لهدف استعمالها لاحتياجاتهم اليومية، او التطاول عليها في البنيان.
يتكلم الاستاذ الشبري بكل حرقة عن ممارسات اخرى عرفها الحي البرتغالي بقلاعه وجدرانه المهترئة، سببها الايمان المهزوز لبعض الزوار، بسبب معتقداتهم في الشعوذة والبحث عن الكنوز، الا ان الاستاذ زياني رئيس جمعية الحي نفى حدوثها في الوقت القريب لسببين اولهما تكفل شركة امنية بحماية واقفال ابواب الممرات ليليا بتواقيت تحددت بعقد، ووجود مركز امني تابع للأمن الوطني الذي يرابط عناصره يوميا بتوقيت نهاري يضمن السلم والامن على مستوى منطقة الحي كاملا، وهي الجهود التي يثمنها الاستاذ الشبري ايضا.
هذا ويوضح ان عمليات الترميم للحوائط عرفت مشكلا اخر، يكمن في عدم تقدير بعض العمال لأهمية وخطورة دورهم على المدى البعيد، بحيث قام بتفتيت بعض مكونات الجدار بيديه ليشرح النقاط البيضاء المنتشرة عليه، وهو الامر الذي يعزوه لعدم خلطهم لمكوناته بشكل احترافي اما لعدم تكوينهم في المجال، او عن تهاون مسبق الارادة، الشيء الذي نتج عنه عدم تماسكها.
الساكنة بين عالمية الموقع وصعوبات الحياة:
يعود انشاء الحي البرتغالي الى الرحلات البرتغالية بالقرن 15 حيث ارست بثقلها على شواطئ افريقيا، وكان من نصيب هذه المنطقة انشاء معلمة صغرى هي “دار الحاكم” او “مازاكان” كما تسمى الان، ومع مرور الوقت زيدت منازل وبيع ومعابد كنسية ودير حول دار الحاكم لكي يتم تسييجها بأسوار تصنف بالغير عالية مقارنة بأسوار مواقع اخرى، وفي هذا الحقبة تميزت الساكنة بكونها تقريبا كليا أجنبية ومن جنسيات مختلفة، فكل من كانت له مصالح تجارية قام بإنشاء مواقع قنصلية له، فكانت كمركبة ديبلوماسية وعسكرية قارة على ارض اجنبية.
ثم جاءت الحروب لتمنع الساكنة من مكان سكناها وتلحق القاطنين بأراضيهم الاصلية، في اجلاء المحاربين وهدم الابراج من طرف البرتغاليين بشكل وحشي كبد المئات من المغاربة خسائر في الارواح سنة 1769 وبدأ عصر القطيعة الذي دام ما يناهز الخمسين سنة، حينها صار اسم المكان “المهدومة” او “البريجة”.
لتعود فكرة إعمار المكان بالأعيان من المغاربة وقناصل الاجانب واليهود مرة اخرى في محاولة لإعادة تهيئته، مع المولى محمد الفاتح.
في عصرنا الحالي حافظت ساكنة الحي البرتغالي على تعدديتها الاثنية والدينية واللغوية، بعد هجرة العديد من اليهود الى الدولة الاسرائيلية وترك منازلهم شبه مهدمة او بيعها لمسلمين، او لأجانب من المستثمرين.
ويبلغ تعداد الساكنة ما يزيد عن 3000 شخص حسب تصريح رئيس جمعية الحي، الذي وصف بأن الحي ك”جيروزاليم المصغرة” (أي القدس المصغرة”)، فهم يعانون من معيقين أساسيين للتنمية، وهما معيق الامية ومعيق التحول، هذا الاخير يشرحه “بأن هناك تغيير دائم للساكنة على مستوى الزوار والمستثمرين، رغم وجود فئة قارة وثابتة، بحيث يصعب التأقلم مع وضعهم الحالي، وهو ما يخلق ذلك الحافز لانفصال الحياتي عن الثقافي والتراثي” وهو ما قد يحول دون ترسيخ فكرة أهمية الموقع على المستوى التاريخي والتراثي لدى الناشئة، كما قد يحوله الى اخطر من ذلك: الذي هو مجرد موقع للاستمتاع.
كما يعانون من هشاشة اقتصادية لم تتمكن الجمعية من النهوض بالحي لعدة اسباب منها:
- الامية سالفة الذكر، بسبب عدم اهتمام العديد من الساكنة بمتابعة تثقيف ابنائهم،
– الهجرة لمناطق اخرى للعمل في مهن ليست بحاجة الى استكمال دراستهم.
- دخول العديد من الأجانب على خط الاستفادة بشكل غير معلن مما حرم الرسميين من حقهم
- عدم وجود خطة مدروسة لتنمية المنطقة من طرف السلطات الوصية
- متابعة الحياتية اليومية دون استجلاب المحركات الاقتصادية من مهتمين بالاستثمار المتفاعل مع ساكنة الحي من المغاربة بشكل خاص
التمثيلية الفنية والاعلامية رغم محاولاتها المتعددة تبقى غير كافية لاستجلاب الدعم لساكنة الحي
لتبقى الجمعية بين سندان الساكنة ومطرقة السلطة وعجز الميزانية.
احتياج يجب الوقوف عليه:
ليبقى الحي البرتغالي ساحة فنية بامتياز لتلاقح الثقافات ولغة يفهمها من فقه دورة التاريخ، فلا دوام لحال من الاحوال على حساب اخر، ورغم ان رئيس جمعية الحي محمد زيان يعتبر أن ” الحي البرتغالي ملك مشاع للإنسانية جمعاء، كما يتوجب على الجميع المساهمة في الرفع من مستواه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي حتى يعرف اشعاعا اكبر ويحافظ على هذا التصنيف كإنجاز غير مسبوق”
فإن الاستاذ الباحث ابو القاسم الشبري يشد بقوة على ضرورة الجلوس على طاولة النقاش وتظافر جهود كل الفعاليات والسلطات المحلية للاستعانة بالمتخصصين، لان لهم تصورا شموليا لتقديم إصلاحات على عدة مستويات اهمها المنازل المتواجدة بالحي والتي تؤثث فضاء الموقع بامتياز، فكل من وزارة الاسكان التي ستدخل من حيث دور الخواص، ووزارة الثقافة ووزارة السياحة والمجلس المحلي البلدي المنتخب وعدة سلطات وصية، مدعوة في اطار إعطاء نظرة جيدة ستستقطب السياح الاجانب بمستوى ارقى وتقدم لهم خدمات اكثر، للحفاظ على هذه المعلمة الاثرية.
وتبقى كلمته “بأننا نفتخر بهذا التراث العالمي لكننا لا نقدم لأجله اي مجهودات” ترن في اذهان من يستمعون لرأيه الجريء، وتحز في نفس كل غيور على هذه الارض للتحرك البناء نحو حي أجمل.
