عبد الرحيم بودلال
منذ ما يقارب شهرين والصحافة الصفراء تكتب مقالات وتقارير تنتقد فيها الرجل الأول في المجمع الشريف للفوسفاط مصطفى التراب، وتحاول الإطاحة به. لا يعني ذلك نوعاً من التقييم الديمقراطي للسياسات العمومية للمجمع الشريف للفوسفاط، فنحن لسنا في نظام ديمقراطي حيث يمر المسؤولون الكبار وأرباب الشركات العامة في جلسات عامة أمام نواب الأمة ليتم مساءلتهم عن كل صغيرة وكبيرة. ولم يتحقق يوما أن تم انتقاد رؤساء وضعهم الملك محمد السادس على رأس أكبر المؤسسات التجارية والصناعية الشريفية. لهذا فإن الانتقادات التي توجه لمصطفى التراب هي في الغالب تصفية لحسابات سياسوية وصراعات كبرى داخل دواليب الحكم، وقد تأتي هذه الصراعات على الأخضر واليابس وكل ما راكمه المجمع من مصالح اقتصادية للمغرب وتطور للمؤسسة.
نشرت جريدة الأسبوع تقريراً مطولاً عن مصطفى التراب، حياته الخاصة والاستثمارات الأخيرة التي قام بها. ثم بعدها بأيام تحدث موقع 360 القريب من نفس الجريدة عن الترف الذي يعيشه مصطفى التراب في مقر سكناه بمراكش، وأنه يدير المجمع وهو يلعب الكولف. وعن غطرسته في تنظيم المجمع بنوع من السلطوية بعيداً عن مشاركة أعضاء المجلس الإداري، ثم تحدث عن الموظفين الأشباح الذي غادروا البناية السوداء بالدار البيضاء منذ 2020 ولم يعودوا إليها لحد الآن، في حين أنهم عمال نشيطين يقومون بمهامهم عن بعد.
تحدث عن كون سلطات مصطفى التراب تفوق سلطة خازن الدولة ووزيرها المالي ورئيس جامعة كرة القدم لقجع. وانتقد الموقع شراكة المجمع مع الشركة الفرنسية العملاقة إنجي، والتي تنص، بالإضافة إلى تطوير القدرة على إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، على إنشاء بنى تحتية كهربائية داخل الموقع، وانتقد قيام المجمع بتحلية مياه. البحر وأكثر من ذلك تحت المقال عن تحول التراب إلى دولة داخل الدولة، وأن بقيامه باستثمارات كبيرة في مجالات مختلفة في الطاقة الخضراء والسياحة وكرة القدم، والاستثمار في التعليم بإنشاء جامعة محمد السادس. بذلك سلب نزار بركة ووزراء كثر وشخصيات داخل الدولة اختصاصاته الرسمية.
يوجد في المقال جانب نقدي موضوعي وهو عن توغل شركة المناولة (Jesa)، ليس كما ذكر المقال بطلب الانفتاح على المناولة الوطنية، لأن جيزا (Jesa) تقوم فقط بالإشراف، حيث الشركات المغربية هي من يقمن بالعمل، كما أن الاستثمار يخضع لشروط الصفقات العمومية. بل النقد يجب أن يوجه في اتجاه تشغيل الشباب المغربي العاطل عن العمل، خصوصاً مع ازدياد حالات البطالة بشكل مهول.
إن قدرة المجمع الشريف للفوسفاط ومن ورائه مصطفى التراب، على التوغل في مجالات حيوية عديدة، وقدرته على تغطية عدة قطاعات في وقت وجيز، وقيامه بمهمات ومسؤوليات عجزت عنها الحكومة المغربية، هو تطور لا يجب أن يثير المخاوف لدى أصحاب القرار ومن يرون في مصطفى التراب منافساً سياسياً لهم لهم وخصماً صاعداً. بل يجب الافتخار والتثمين على هذه المنجزات والتشجيع عليها.
إن اعتماد المجمع على نفسه بإحداث شركات وعلاقات ومقاولات ذاتية في مجموعة من الميادين راجع بالأساس إلى فساد المنظومة البيروقراطية وتدني مستوى الخدمات الإدارية وضعف المقاولة المغربية، وأن المجمع انتبه إلى ضرورة أن يعمل ويشرف بنفسه على هذه الميادين من أجل مواكبة المستجدات والتطورات الدولية لتسريع صناعي صاعد. وأكبر دليل على ذلك أن الفريق الرياضي أولمبيك خريبكة عندما كان تحت إدارة المجمع الشريف للفوسفاط كان أداؤه جيداً ويحتل المراتب العليا، أما بعدما لم يعد يشرف عليه أصبح على أعتاب فُرق الهواة بسبب سوء التسيير. أيضاً فإن المجمع ساهم إثر الأزمة المائية سنة 2022 وانخفاض مياه السدود والمياه الجوفية فإن المجمع بادر وبسرعة إلى إنشاء وحدات كثيرة لتحلية مياه البحر وضمان الأمن المائي للمدن المجاورة.
إن الصورة استبدادية التي نقلت صحيفة 360 عن مصطفى التراب، فإن من يمكن لهم اثبات ذلك أو تفنيذه هم العمال والمهندسون الذي هم في احتكاك مباشر ودائم معه، والذين هم عرضة لتأثير سياساته اليومية. لذلك سنذكر بعضاً من هذه السياسات العامة؛ فعندما تم تعيين التراب سنة 2006 فإنه مكث سنتين وهو يحاول فهم الطبيعة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للمؤسسة، إلى أن قام بجولة تفقدية واستطلاعية كبيرة سنة 2008 لجميع مناطق الفوسفاط ووحداته الإنتاجية، التقى إثرها مع كل النقابات وعقد مهم اجتماعات مطولة من أجل أن يفهم الوضع جيداً، خصوصاً معاناة العمال حينها والذين يعتبرون الركيزة الأساسية في كل بناء وإقلاع تنموي، خصوصاً تدني الأجور وقساوة ظروف العمل.
خلال اجتماع مصطفى التراب بالنقابات قدم أحد المدراء عرضاً حول توسع المصنع بالجرف الأصفر والمشاريع المستقبلية التي سيحظى بها، وذكر من ذلك بناء مقاصف للعمال من جهة والأطر من جهة ثانية، بمعنى عزل المرافق الاجتماعية للأطر والمهندسين عن منشآت العمال، حينها انتبه لأشكال التمييز ومظاهر “العنصرية”، فأصدر أمراً بعدم التفريق بين الأطر والعمال وبدمقرطة كل الشؤون الاجتماعية.
أيضاً طرح في هذا الاجتماع أن المتقاعدين لا يستفيدون من السكن، عكس النشطاء (actif)، فتعجب المدير من هذا القرار، حيث قال: “كيف لعامل أفنى حياته في خدمة المجمع أن يخرج للتقاعد دون الاستفادة من كفن الدنيا”. بعدها مباشرة خرجت مذكرة تنص على أن المتقاعد يستفيد هو الآخر من السكن.
صادق مجلس المستشارين يوم 23 يناير 2008 في جلسة عمومية لتحويل المكتب الشريف للفوسفاط إلى شركة مساهمة (OCP S.A)، تتميز الشركة المساهمة عن الشركة ذات المسؤولية المحدودة بإمكانية الاقتراض من الصناديق الدولية لإنشاء مشاريع جديدة أو تطوير ذاتها من جديد، كما تضم حصص لشركاء مختلفين على هيئة أسهم يُمكن تداولها داخل البنوك والبورصات، كما لها الصلاحية في الاستثمار لحساب الغير وممارسة أعمال البنوك والتأمين، والاستثمار في مجالا أخرى. لقد انتقل المكتب الشريف للفوسفاط من تسيير واشراف الوزير الأول والمجلس الحكومي إلى تسيير وتدبير السيد المدير العام، لقد تحرر من وصاية الحكومة إلى تسيير إدارة مركزية لها سلطة مستقلة بذاتها.
هذا التحول الجذري الذي قام به مصطفى التراب أدى إلى تحديث قطاع الفوسفاط في جميع المجالات ومنها المجالات الجديدة التي تهتم بصناعة الطاقات البديلة مثل الهيدروجين الأخضر وبطاريات السيارات الكهربائية. وذلك من خلال وضع إطارات مؤسساتية عصرية وتطبيق للحكامة وترشيد النفقات، وكذا القيام بهيكلة للإدارة تهدف إلى الرفع من الاستثمارات والإنتاجية والصادرات الفوسفاطية، وتحقيق المردودية الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما نجح فيه المجمع الشريف للفوسفاط بقيادة مصطفى التراب. لقد قام بتغييرات مفصلية على مستوى المؤسسات الفوسفاطية والموارد البشرية استطاع من خلالها نقل المؤسسة إلى مصاف الشركات الكبرى.
