يخلّد المغرب في الثالث عشر من شهر مارس من كل سنة اليوم الوطني للمجتمع المدني، وهي مناسبة وطنية للاعتراف بالدور الحيوي الذي يضطلع به الفاعلون الجمعويون في تعزيز التنمية وترسيخ قيم المواطنة والتضامن. وفي هذا السياق، تبرز تجربة شبكة الجمعيات الدكالية كإحدى التجارب المدنية المتميزة بمنطقة دكالة، حيث استطاعت أن تكرّس حضورها كإطار جامع لعدد كبير من الأطر الجمعوية والمدنية الفاعلة في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والبيئة والديمقراطية والتربية على المواطنة.
وعلى امتداد ما يقارب ربع قرن من العمل المدني، وبالتحديد لأزيد من أربع وعشرين سنة، عملت الشبكة على توحيد جهود الفاعلين الجمعويين وتعزيز قدراتهم، من خلال تنظيم برامج تكوينية ولقاءات تشاورية وورشات عمل هدفت إلى تطوير الأداء الجمعوي والارتقاء بمستوى التدبير المؤسساتي للمشاريع التنموية. وقد ساهمت هذه الدينامية في تكوين عدد كبير من الأطر المدنية والجمعوية، كما استفاد من برامجها العديد من الطلبة الباحثين والمهتمين بقضايا التنمية والعمل المدني، إلى جانب عدد من المنتخبين وأطر المؤسسات العمومية والأكاديمية.
كما أولت الشبكة أهمية خاصة للبعد الحقوقي، حيث ساهمت في نشر ثقافة حقوق الإنسان وترسيخ قيم العدالة والمساواة، إلى جانب تشجيع المشاركة المواطِنة وتعزيز آليات المساءلة الاجتماعية وتتبع السياسات العمومية على المستويات المحلية والإقليمية والجهوية والوطنية، بما يساهم في دعم مسار التنمية الديمقراطية وتقوية الثقة بين المجتمع والمؤسسات.

وفي هذا الإطار، أصبحت شبكة الجمعيات الدكالية بمثابة مدرسة جمعوية حقيقية، تخرّج منها العديد من الفاعلين المدنيين الذين بصموا على مسارات ناجحة في مجالات متعددة، ومن بينهم منتخبون محليون استطاعوا أن يكرّسوا داخل المؤسسات المنتخبة ثقافة الديمقراطية وقيم المشاركة والمسؤولية، وهو ما يعكس أثر التكوين والتأطير الذي راكمته الشبكة عبر سنوات طويلة من العمل.
كما يشكل المجال البيئي أحد المحاور الأساسية لعمل الشبكة، حيث ساهمت في تنظيم مبادرات تحسيسية وأنشطة ميدانية تهدف إلى حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية، إضافة إلى دورها في تنسيق جهود الفاعلين المدنيين في هذا المجال. وفي هذا السياق، تضطلع الشبكة بدور المنسق العام للدينامية المدنية للدفاع عن البيئة بمنطقة دكالة، كما تعد عضواً في الائتلاف المغربي من أجل المناخ والتنمية المستدامة.
وقد مكنت هذه الدينامية المتواصلة الشبكة من نسج علاقات وشراكات مع عدد من المؤسسات الوطنية والدولية، حيث أقامت تعاوناً مع مجلس جهة الدار البيضاء سطات و*ولاية جهة الدار البيضاء سطات* و*المديرية الجهوية للتشغيل*، وذلك في إطار برامج تهدف إلى دعم القدرات التدبيرية والتنظيمية لمؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتعزيز دورها في التنمية الجهوية وخلق فرص الشغل.
كما تربط الشبكة علاقات تعاون مع وزارة العلاقات مع البرلمان من خلال برامج تعنى بتعزيز الديمقراطية التشاركية، إضافة إلى تعاونها مع المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان. وعلى المستوى الدولي، حظيت الشبكة بثقة عدد من الهيئات الدولية، من بينها الاتحاد الأوروبي الذي أدرج اسمها ضمن منصات الكارتوغرافيا الخاصة بفاعلي المجتمع المدني، إلى جانب تعاونها مع إحدى الهيئات التابعة لـ الأمم المتحدة، وكذا منظمة المحامين بلا حدود في عدد من البرامج المرتبطة بالدعم الحقوقي وتعزيز قدرات الفاعلين المدنيين. كما تعد الشبكة عضواً في الشبكة العربية للمساءلة الاجتماعية، وهو ما يعكس مكانتها ضمن الفاعلين المدنيين المنخرطين في تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة على المستوى الإقليمي.

ورغم هذه المسيرة الحافلة بالعطاء والإنجازات، فقد واصلت الشبكة عملها لسنوات طويلة في ظل محدودية الإمكانيات وغياب الدعم المحلي، إذ لم تستفد من أي دعم يُذكر من طرف الجماعات الترابية بإقليمي سيدي بنور و*الجديدة*، وهو ما يطرح تساؤلات حول ضرورة تثمين مثل هذه المبادرات المدنية التي راكمت تجربة مهمة في مجال التأطير والتكوين وخدمة المجتمع.
وبمناسبة اليوم الوطني للمجتمع المدني، فإن الاعتراف بمثل هذه التجارب الرائدة يقتضي دعمها ومواكبتها، وهو ما يجعل من الضروري أن تبادر السلطات الإقليمية بإقليمي سيدي بنور والجديدة إلى تقديم العون والمساندة لهذا الإطار المدني الذي ظل لسنوات طويلة يشتغل بروح التطوع والإيمان بقيم التنمية والديمقراطية، خدمة للصالح العام.
وفي الختام، تظل تجربة شبكة الجمعيات الدكالية نموذجاً للعمل الجمعوي الجاد، ورصيداً مهماً في مجال التأطير والتكوين وبناء القدرات، ما يجعلها من التجارب المدنية الرائدة التي أسهمت في ترسيخ ثقافة المشاركة والديمقراطية المحلية بمنطقة دكالة وعلى مستوى جهة الدار البيضاء سطات عموماً.
