فاطنة أفيد
رحل الحسن اللحية…
ورحيله لم يكن حدثًا عابرًا، بل صدعًا في ذاكرة التربية، ووجعًا في قلب كل من آمن أن المدرسة العمومية ليست بناية ولا مقررات، بل رسالة وعدالة اجتماعية.
رحل ليلة رأس السنة، في زمن عربي مثقل بالمجازر والإبادة، في زمنٍ يُقتل فيه الأطفال في فلسطين، وتُداس فيه القيم الإنسانية، وكأن القدر شاء أن يختطف واحدًا من أنقى المدافعين عن الحق في التعليم، في لحظة عالمية يغيب فيها العقل وتُغتال فيها البراءة.
كان الحسن اللحية رجلًا عصاميًا بامتياز، انطلق من أقصى القرى والمداشر، معلمًا يحمل الطباشير والأمل، ويصنع من الأقسام الهشة فضاءات للحلم والمعرفة. لم يكن التعليم عنده وظيفة، بل اختيار حياة. شق طريقه بالصبر والاجتهاد، حتى صار دكتورًا في التربية والبيداغوجيا، وأستاذًا بمراكز التكوين، يكوّن المكوّنين، ويزرع فيهم أخلاق المهنة قبل تقنياتها.
كان يؤطر باستمرار، يكتب، يحلل، ينتقد السياسات التعليمية بجرأة العالم وضمير المناضل. لم يهادن الرداءة، ولم يصمت أمام التخريب الممنهج للمدرسة العمومية. كانت مؤلفاته، ومداخلاته، وأوراقه التربوية شهادات حية على انحيازه الواضح لمدرسة مغربية ديمقراطية، منصفة، ومجانية، لكل أبناء الشعب المغربي.
الحسن اللحية لم يكن مجرد أكاديمي، بل مربي أجيال، صانع معنى، وضميرًا يقظًا في زمن التواطؤ. كان حضوره هادئًا، لكن أثره عميق. كلماته لا تُنسى، وتلامذته كُثر، ممتدون في القرى والمدن، في الأقسام ومراكز التكوين، يحملون شيئًا من روحه ومن إيمانه بأن التربية فعل تحرر.
نفقده اليوم جسدًا،
لكننا لا نفقده أثرًا ولا فكرة.
نفقد صديقًا عزيزًا،
لكننا نربح مسؤولية الوفاء له: أن نواصل الدفاع عن المدرسة العمومية، عن كرامة المدرّس، وعن حق أبناء وبنات الشعب في تعليم عادل.
وداعًا أيها الصديق،
أيها المربي النبيل،
نم قرير العين،
فما زرعته لن يموت،
وما آمنت به سيحمله آخرون،
وسيشهد التاريخ أنك كنت من الذين مرّوا… فتركوا أثرًا لا يُمحى
