ذ.حساين المامون
المامون حساين
إن ما شهدناه أعقاب خروج المنتخب المغربي لم يكن مجرد خيبة أمل رياضية، بل تعبيرا عن تصدع في البنية الذهنية التي لم تستوعب بعد أن منطق اللعبة يقتضي الثبات الانفعالي والامتثال للمؤسسات؛ فبالنظر بـ “شوية منطق” نجد أن انسحاب لاعبي الخصم أو استفزازاتهم هي أحداث تكررت تاريخيا ولا تستدعي “المساومة” أو إضاعة ركلات الجزاء استجداء للرضى، إذ كان بإمكان الفريق المغربي ببساطة انتظار صافرة الحكم والركون لسيادة القانون بوجود مؤسسة الأخلاقيات في “الكاف” ورئيس “الفيفا”، وهي “الاستقامة المؤسساتية” التي غابت في غمرة البحث عن تأويلات سياسية لسلوك مدرب الخصم وتناقضاته التي لا تؤثر واقعياً في تقييم الأداء التقني، لتنفجر بدلا من ذلك أعراض سيكولوجية وهوياتية تجلت في “بكائيات” بائسة ومنطق “المنّ بالأذى” عبر ادعاء الاستعلاء الحضاري، وهو ما يجسد مقولة فريدريك نيتشه بأن “الرعاع لا يستطيعون رؤية العظمة دون رغبة في الانتقام منها”، حيث تحولت “الخاوة خاوة” إلى نبرة إقصائية وتعالٍ عنصري استعاد “نظرية التطور” بشكل انحطاطي، وكأن تنظيم البطولة بمعايير أوروبية هو “فضل” وليس التزاما استراتيجيا تفرضه دفاتر التحملات والمونديال القادم، مما يؤكد أننا أمام “هشاشة نرجسية” تهرب من مواجهة ضعف الأداء وتدبير المباراة نحو “وهم الحسد” و”المؤامرة”، تماما كما يرى سبينوزا في “الانفعالات الحزينة” التي تُقعد الذات عن الفعل وتجعلها أسيرة لرد الفعل، فالمطالبة برحيل الركراكي عند كل كبوة رغم استقرار نسقه في المربع الذهبي هي “سيكولوجية غريبة” لا تؤمن بالتراكم، بل تقتات على “القيء الأخلاقي” والتعالي الانتقامي الذي ينكشف بمجرد أن لا تتحقق التوقعات؛ والآن، وبعد أن انتهى كأس إفريقيا، فإن أول درس نستخلصه هو أنه لا ملجأ إلا الله أولاً ثم الاجتهاد والعمل والاستمرار في النجاح وتمنيع البلد بالوحدة الداخلية وتحقيق الديمقراطية والتنمية وضمان الحقوق والحريات، فحينما يصدر الخطأ عن الآخرين فلا يمكن لوم أنفسنا على الصواب، والمغاربة تصرفوا بأخلاق وهذا هو الأصل، ولا يجب أن يُزيغنا انحراف الآخرين عن السكة الصحيحة كأمة تحترم تاريخها، ففي النهاية لا يصح إلا الصحيح مصداقاً لقوله تعالى: “فأما الزبد فيذهب جفاء”، فلنستمر في زرع الثقة في هذا الجيل الشاب الذي كسر عقدة الدونية وشرع الأبواب للأمل، ولنشكر هؤلاء اللاعبين الذين رفعوا سقف الحلم، ولنصحح أخطاءنا بوعي لأن كرة القدم تحمل الهزيمة في تعريفها، ولننتقد بأخلاق متذكرين انتشاءنا بالانتصارات السابقة، ولنحذر من كسر إرادة جيل سيرتدي القميص الوطني غداً لخوض غمار منافسات أخرى، رافضين ترويج الأحجيات المسيئة للذكاء من قبيل التضييع المتعمد لضربة الجزاء أو التعرض للسحر، فحي على العمل والنضال الشريف وخدمة الوطن والوفاء للمبادئ مهما كانت الإكراهات، لأننا أمام يوم جديد، وعمل جديد، وحلم جديد، وكما يقول الفيلسوف هيغل: “لا شيء عظيم في العالم تم إنجازه بدون حماس”، فليكن حماسنا بناءً ووعينا منارة لمستقبل أفضل.
