” باراكا …وكن صادقا ” سلسلة حكايات في قالب تشويقي، تستهدف المساهمة التحسيسية والتوعوية والتوجيهية في محاولة لإعادة تقويم مجموعة من السلوكات والتصرفات التي تؤذي الناس في علاقاتهم وتقوض معاملاتهم وتضر بصحتهم..
كان حاكم الجزيرة ذات يوم يتجول وحيدا وبحراسة عن بعد في فضاءات السوق حينما استرعى انتباهه رجل يتوجه نحوه وهو يحمل قفة من الدوم ويمسك في يده الأخرى قنينة عسل، فانتظره حتى اقترب منه وعرض عليه اقتناء العسل منه دون أن يتعرف عليه، ولما سأله الحاكم فيم إذا كان حرا كان التأكيد الشديد من الرجل وهو يحلف بأغلظ أيمانه على أنه عسل حر ولا جدال في ذلك.
سأله الحاكم عن الكمية التي بحوزته فأخبره أن ما تبقى لديه هو خمسة كيلوغرامات فقط، وعند المساومة في الثمن كان الهبوط الحاد من ثمن جد مرتفع إلى ثمن جد هزيل، الأمر الذي ارتاب معه الحاكم وراودته الشكوك بشكل كبير، إذ كيف يمكن لأحد أن يبيع عسلا حرا بثمن بخس كالذي يطلبه هذا البائع المتجول، فأعاد وكرر عليه الاستفسار بخصوص ما إذا كان العسل حرا بالفعل أم لا، فما كان من الرجل في كل مرة إلا الإمعان في القسم والتشديد في رمي اليمين.
وبإشارة واحدة من الحاكم لحارس من حراسه كان غير بعيد عنه، أمسك اثنان من حرس السوق ببائع العسل واقتادوه خارج السوق حتى وصلوا به بوابة كبيرة فتحت وأدخلوه إلى قاعة ثم أغلقوا عليه الباب وانصرفوا.
كان بائع العسل مشدوها مستغربا ما حدث له، ولكنه كان في قرارة نفسه يتوجس خيفة عمن يكون آخر من ناقشه في موضوع العسل.
اقترب موعد الغروب وبائع العسل وحيدا في القاعة المغلقة يحاول أن يحد تفسيرا لما حدث له هذا اليوم، حينما سمع صوت المفتاح وانفتاح باب الغرفة ورأى رجلا قوي البنية واقفا يحثه على القيام وحمل قفته ومرافقته، فأطاع الأمر وسار إلى جانبه حتى وجد نفسه في قاعة فسيحة جلس في وسطه رجل عليه هيبة ووقار وإلى جانبه حاشية فأدرك أنه في حضرة حاكم الجزيرة لكثرة ما كان يسمع عن هذا المجلس.
تكلم الحاكم فأخبر الحاضرين بما كان من أمر بائع العسل، وأمر أحد رجاله أن يستضيف بائع العسل في قاعة الضيافة، وأن يحضر له الخبز الكافي لأكل العسل، حتى إذا أنهاه يترك ليذهب إلى حال سبيله مهما كانت مدة الضيافة.
حينذاك بدأ بائع العسل يبكي ويتوسل إلى الحاكم، ويحلف ألا يعاود الكرة وألا يغش الناس، حتى صعب حاله على الحاكم فعفى عنه وهو يقول له: باراكا..وكن صادقا..
