لم یعد حال المواطن المغربي الیوم یسر أحدا سواء كان صدیقا أو عدوا، فھو یكاد لا یتوقف عن الشكوى وتردید الحوقلة، لاسیما بعد أن صار عاجزا تحمل المزید من الضربات الموجعة، في ظل الارتفاع المطرد لأسعار المحروقات التي أرخت بظلالھا على أسعار باقي المواد الأساسیة والواسعة الاستھلاك، وتسببت في تراجع القدرة الشرائیة إلى مستویات غیر مسبوقة، دون أن تكون “حكومة الكفاءات” في نسختیھا الأولى والثانیة قادرة على مواجھة جشع “الفراقشیة” الذین ینتشرون في مختلف القطاعات، ولا على الوفاء بوعودھا الانتخابیة، ناھیكم عما تعیش على إیقاعھ ساكنة العالم القروي من إقصاء وتھمیش…
وبما أن الأوضاع الاقتصادیة والاجتماعیة ماضیة في التفاقم منذ مجيء ھذه الحكومة المشؤومة، التي أوشكت ولایتھا على نھایتھا في غضون أسابیع قلیلة جدا، من غیر أن تتمكن من الوفاء بالتزاماتھا إن على مستوى تحسین ظروف عیش المواطنین، خلق مناصب شغل ملائمة للشباب العاطل خاصة ذوي والمجالیة، خفض معدلات الفقر والھدر المدرسي، ومكافحة كافة أشكال الفساد والریع… الشھادات العلیا، النھوض بالخدمات الاجتماعیة في الصحة والتعلیم، الحد من الفوارق الاجتماعیة وبما أن الجولة الأخیرة من الحوار الاجتماعي باءت ھي الأخرى بالفشل، فإن المكتب التنفیذي للكونفدرالیة الدیمقراطیة للشغل أصدرت بلاغا رسمیا تدعو من خلالھ إلى تنظیم مسیرة وطنیة احتجاجیة
بمدینة الدار البیضاء یوم الأحد 28 یونیو ،2026 للمطالبة بإقرار زیادة عامة في الأجور والمعاشات، ومراجعة الضریبة على الدخل من أجل حمایة القدرة الشرائیة للمواطنات والمواطنین المغاربة، وأكد ذات البلاغ أن المسیرة السلمیة المزمع تنظیمھا تمثل محطة نضالیة جدیدة تروم الدفاع عن الحقوق الاجتماعیة والمكتسبات، إلى جانب رفض أي مساس بمكتسبات التقاعد والحریات النقابیة، ویدعو بإلحاح الحكومة على ضرورة التعجیل باستئناف الحوار الاجتماعي، شریطة أن یكون حوارا حقیقیا ومنتجا وملزما، یفضي إلى اتخاذ إجراءات عملیة تستجیب للأوضاع الاجتماعیة الراھنة…
إذ لا یعقل أن تستمر الأوضاع على ما ھي علیھ من تأزم واحتقان شعبي، من حیث تواصل مسلسل غلاء الأسعار وتدني القدرة الشرائیة وتفاقم الھشاشة، وتنامي الضغط الجبائي على الأجراء
والمس بمكتسبات الحمایة الاجتماعیة والتعاضد، والتضییق على الحریات النقابیة والحق في الإضراب، بینما “حكومة الكفاءات” التي ما فتئت تدعي التأسیس للدولة الاجتماعیة، مازالت متمادیة في اعتماد اختیارات لا اجتماعیة، تحمل الطبقة العاملة وعموم الفئات الشعبیة وزر فشلھا وكلفة الأزمة الخانقة، في الاجتماعیة والمجالیة… الوقت الذي یتعین علیھا فیھ فتح أفق اجتماعي جدید، یقوم على قیم الإنصاف والكرامة والعدالة كما لم یفت المركزیة النقابیة “الكونفدرالیة الدیمقراطیة للشغل” الإعلان في ذات البلاغ عن استنكارھا الشدید لإسقاط أحزاب الأغلبیة مقترحي القانونین المتعلقین بتسقیف أسعار المحروقات وتفویت شركة “سامیر” لحساب الدولة، اللذین تقدمت بھما مجموعتھا في مجلس المستشارین في 16 یونیو ،2026 معتبرة أن التصویت الممنھج ضدھما یعد انحیازا صریحا للوبیات المحروقات، وتغلیبا لأرباحھا على حساب جیوب المواطنین، والأمن الطاقي والسیادة الاقتصادیة الوطنیة، وتملص واضح من المسؤولیة السیاسیة والتشریعیة في الحفاظ على المصلحة العامة وصون المقدرات الاستراتیجیة للبلاد.
فانطلاقا مما سلف ذكره وغیره كثیر، طالبت المركزیة النقابیة الحكومة بضرورة تحمل مسؤولیتھا السیاسیة والاجتماعیة فیما تبقى لھا من أسابیع معدودة، والعمل على التعجیل باستئناف الحوار الاجتماعي، على أن یكون حوارا حقیقیا، منتجا وملزما، وأن یفضي إلى اتخاذ إجراءات عملیة سریعة وعلى رأسھا الزیادة في الأجور والمعاشات، حمایة القدرة الشرائیة، تنفیذ الالتزامات السابقة واحترام مضمون الاتفاقات الاجتماعیة، ضمان الحق في التنظیم والاحتجاج السلمي والإضراب، انسجاما مع المواثیق الدولیة، وفي الوقت نفسھ تعلن عن رفضھا التام لتواصل مسلسل التضییق على الحریات النقابیة، الطرد التعسفي من العمل والمتابعات التي تستھدف الممثلین النقابیین…
ولیست وحدھا الكونفدرالیة الدیمقراطیة للشغل وغیرھا من المركزیات النقابیة وأحزاب المعارضة من تنتقد الحكومة وتحملھا مسؤولیة تدھور الأوضاع، واكتفائھا برفع الشعارات البراقة والفارغة، بدل الانكباب الجاد والمسؤول على ابتكار حلول ناجعة وملائمة لمختلف المشاكل المطروحة، بل ھناك عدید الخبراء والمراقبون من یوجھون انتقادات لاذعة لسیاساتھا الفاشلة حیث الأسعار بلغت مستویات غیر مسبوقة، أنھكت جیوب المواطنین. وإلا كیف یمكن تفسیر سلسلة الزیادات في أسعار المحروقات والمواد الاستھلاكیة الأساسیة، وعدم قدرتھا على التصدي ل”أباطرة” الاحتكار والتلاعب بالأسعار، من أجل تحقیق أرباح خیالیة على حساب الفئات الھشة والمتوسطة، تعطیل آلیات ضبط السوق دون أي مبرر معقول؟ وھل یعقل أن تصل أسعار اللحوم إلى مستویات قیاسیة (140 درھما للكیلو غرام الواحد من لحم الغنم) مقارنة ببدایة الولایة الحكومیة (ما بین 75 و90 درھما)؟
إن حمایة كرامة المواطنین سواء كانوا أجراء أو متقاعدین وغیرھم من الفئات الھشة والمتوسطة، وتحسین أوضاعھم الاجتماعیة، لا یقوم على تردید الشعارات البراقة والوعود الكاذبة، ولا على الخطب الاجتماعیة التي لا تنعكس على الواقع المعیشي أمام موجة الغلاء الفاحش، وإنما یتطلب إرادة سیاسیة قویة من أجل مواجھة كافة أشكال الاحتكار والمضاربة، والحد من تلك الممارسات التي ما انفكت تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وضرب القدرة الشرائیة في واضحة النھار دون حسیب ولا رقیب
