عبد الحق المبفراني
وألهم قبيلة المؤرخين إلى ضرورة حفظ وقائع الأمم لأجيالها اللاحقة. ووصف رحلاته وأسفاره فابتكر سرد الرحلة؛ ليجعل من البيت والبيتين المخصصين لهذا الغرض في قصيدته الطويلة مفتاحا لرحلات طار صيتها في الآفاق؛ فألهمت العالم إلى اكتشاف نفسه. وبين كل هذه السرود سَرَدَ هذا الشاعر ذاته، مؤمنا أن قصيدته التي ستصبح مكان لقاء لجميع أجناس القول، هي أصدق وثيقة يمكنها أن تحفظ مجمل تاريخه الشخصي مجاورا لتاريخ جماعته؛ فاستحق شعره أن يسمى ديوان العرب الناطق بأخبارهم وأيامهم.
لقد صاحب الشعر الإنسان مذ تنفس نسمة الحياة على الأرض، لأنه كان الأقرب إلى روحه، فاستعمله لإحياء أفراحه، وواجه به عقوق الواقع في مواسم الأتراح. ولم يقف دور القصيدة عند هذا الحد، بل مدت أصابعها الجسورة إلى الأفق الأبعد، وفكرت في غد الكينونة محاولة استشراف وجهه برؤية نفاذة لا تقف عند الظاهر. وبما أننا ورثة سر الكلمة الشاعرة لا بد لنا أن نؤمن أن الزمن والشعر لا ينفصلان، وأننا، ما دمنا نتحرك داخل إطار الزمن، فنحن بحاجة إلى هذا الرفيق العالم والحكيم الحالم؛ لنكون جديرين بالعيش في عالم لم يعد يرغب في السكينة؛ عالم جننته الآلة وأثارته ضد أطفاله، ليخرجهم من مدارس بنيت كي يترنموا فيها بقصائد الحب والسلام إلى ساحات حرب، خلقت منهم آلات قتل ودروعا بشرية!
إننا مدعوون إلى التحلي بشجاعة الشاعر الإغريقي الذي رصد صراع الإنسان الحالم مع الآلهة، وجرأة الشاعر العربي جواب الآفاق، وحكمة الشاعر الأمازيغي الذي جعل العيش ممكنا على جبال الأطلس المتمنعة حين صدح بمواويله ليجعلها بلاغا للموادعة والسلام بين إنسان الجبل وكائناته، وبين شعبه وباقي شعوب الأرض التي وفدت عبر بوابتي البحر والصحراء.
لنكن في مستوى رسالة الشعر، ونقل مرحى للسلام في زمن يُسخر فيه الإنسان كل طاقته لينتج آلات دماره، وليكن بيان الترحيب قصائد حالمة تنتصر للإنساني فينا، وتدبج للعالم أشعار حب تجعله مكانا صالحا للإقامة.
