ذ.حساين المامون
ذ.المامون حساين
يُشكّل التعليم حجر الزاوية في نهضة الأمم، إلا أن هذه الركيزة في المغرب تُعاني من تخبط مزمن يُلقي بظلاله على جودة المخرجات، ويُهدد مكانة المنظومة التعليمية على الصعيد العالمي. إن احتلال المغرب للمرتبة 110 عالميًا في مؤشرات التعليم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو شهادة على تراكمات من الإخفاقات التي أدت إلى حالة من الفوضى المنهجية. هذا الترتيب المتأخر، الذي وثّقته تقارير دولية مرموقة مثل “البرنامج الدولي لتقييم الطلبة” (PISA)، يُبرز فشلًا ذريعًا في تحقيق أهداف الإصلاحات المتتالية. ولا تقتصر الأسباب على شح الموارد أو هشاشة البنية التحتية، بل تتجاوزها لتشمل غياب بوصلة استراتيجية ثابتة، هو ايضا نتيجة تراكمات من القرارات والسياسات التي أدت إلى حالة من “التية” أو عدم الاستقرار المنهجي مما يُبّدد الجهود ويُهدر الموارد في مشاريع لم تُمنح لها الفرصة الكافية لتحقيق نتائج ملموسة.
إذا سألت أي أستاذ(ة) مغربي(ة) عن واقع المنظومة ؟ سيخبرك عن كمية المخططات والبرامج التي عاشها تم التخلي عنها قبل أن تؤتي ثمارها. فمن “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، إلى “المخطط الاستعجالي” الذي كان من المفترض أن ينقذ المنظومة، مروراً بـ”بيداغوجيا الإدماج” التي أثارت جدلاً واسعاً قبل أن يتم التخلي عنها، وصولاً إلى “الرؤية الاستراتيجية” التي تضمنت وعوداً كبيرة، ثم “القانون الإطار” وأخيراً “مدارس الريادة”. كل هذه المحطات تمثل سلسلة من التجارب المتتالية التي لم تُمنح الوقت الكافي لتثبيت أقدامها وتحقيق نتائج ملموسة. هذا التبديل المستمر يمنع من تحقيق أي تراكم معرفي أو منهجي، ويجعل المنظومة التعليمية أشبه بـ”حقل تجارب” مستمر، مما يكسر سلسلة التعلم ويُضعف من عزيمة الفاعلين التربويين الذين يشعرون أن جهودهم تذهب سدى.
إضافة إلى تقلب السياسات، يواجه الفاعلون في الميدان صعوبة كبيرة في فهم وتطبيق الخطابات البيداغوجية. فاللغة المستخدمة في توصيف المناهج والمشاريع غالباً ما تكون “متعالية”، مليئة بالعموميات التي يصعب ترجمتها إلى خطوات عملية داخل الفصول الدراسية. هذه الخطابات، التي تأتي غالباً من مكاتب بعيدة عن الواقع اليومي للمدرسة، تخلق فجوة عميقة بين النظرية والتطبيق. على سبيل المثال، يجد الأستاذ صعوبة في فهم وتطبيق مفاهيم مثل “الكفايات العرضانية” أو “النموذج التنموي الجديد للتربية”، مما يجعله في حيرة من أمره، وغير قادر على بناء مسار تعليمي واضح ومتسلسل لتلاميذته، ويعتمد في النهاية على اجتهاداته الشخصية التي قد لا تكون موحدة أو فعالة.
من بين القضايا التي تزيد من تعقيد المشهد، تأتي قضية “الفرنسة”. ففي الوقت الذي تدعو فيه بعض الرؤى إلى اعتماد اللغة العربية كلغة للتربية، يتم فرض الفرنسة في مواد علمية أساسية، مما يطرح إشكالاً كبيراً حول الهوية اللغوية ومبدأ حرية اختيار التوجه. هذا التضارب يؤثر سلباً على التلاميذ الذين يجدون أنفسهم أمام لغة لا يتقنونها، مما يعيق استيعابهم للمفاهيم العلمية المعقدة ويؤثر على مردوديتهم الأكاديمية. إن فرض لغة أجنبية كلغة للتدريس دون توفير بيئة ملائمة لاكتسابها، هو قرار يضر بالمتعلمين ويزيد من الفوارق بين من يملكون الوسائل لتعلمها ومن لا يملكونها.
يمكن تشبيه وضع الأستاذ(ة) المغربي(ة في ظل هذا الوضع، بأستاذ متميز في كفاءته، ولكنه يضطر في كل مرة إلى تغيير أسلوبه ومنهجيته بشكل جذري. فمهما بلغت كفاءته ومهما أنفق من جهود وموارد لدعم أساليبه ومناهجه، فإن النتيجة النهائية ستكون ضعيفة. ليس بسبب نقص في قدراته، ولكن لأن كثرة التغيير تكسر سلسلة التعلم المستمر وتمنعه من بناء قاعدة صلبة يمكنه الانطلاق منها. هذا التغيير المستمر يرهق الأستاذ ويجعله يركز على التكيف مع المنهج الجديد بدلاً من التركيز على العملية التعليمية نفسها.
إن الاستقرار في السياسات التربوية ليس ترفاً، بل هو ضرورة حتمية لتحقيق التقدم. وعلى المغرب أن يجد حلاً لهذه المعضلة، من خلال اعتماد رؤية تعليمية واضحة ومستقرة، تتيح للفاعلين التربويين الفرصة لتسجيل تراكمات إيجابية، وبناء جيل قادر على المنافسة في سوق المعرفة العالمي. فالاستثمار في التعليم يتطلب نفساً طويلاً ورؤية ثابتة، وليس مجرد حلول ترقيعية أو مشاريع عابرة.
لنأخذ على سبيل المثال تجربة فنلندا. على مدى عقود، لم تغير فنلندا من سياستها التعليمية بشكل جذري، لقد ركزت على مبدأين أساسيين: الاستثمار في الأستاذ وتنمية قدراته، ومنحه صلاحيات واسعة في الفصل الدراسي. هذه الرؤية الثابتة سمحت للمنظومة التعليمية ببناء تراكمات إيجابية، حيث أصبح الأساتذة يحظون بأعلى مستويات التكوين والإعداد يصاحبه إعتراف مادي ورمزي من المجتمع، النتيجة أصبح النظام التعليمي في الصدارة العالمية. اد لم يكن نجاح فنلندا نتيجة لمشروع واحد أو مبادرة عابرة، بل كان ثمرة التزام طويل الأمد برؤية واضحة ومستقرة. هذا النموذج يوضح أن التغيير المستمر ليس طريقاً للتقدم في مجال التربية ، بل هو عقبة تمنع من جني الثمار الحقيقية للاستثمار في التعليم.
لكي نخرج من هذه الدوامة، يحتاج المغرب إلى تبني رؤية تعليمية واضحة ومستقرة. هذا يعني التوقف عن إطلاق مشاريع عابرة وغير مكتملة، والتركيز على خطة طويلة الأجل يمكن أن تبني عليها الأجيال المتعاقبة، و عندما تكون الرؤية ثابتة، يتمكن الأساتذة من تطوير خبراتهم ومنهجياتهم بشكل تراكمي، بدلًا من إهدار جهودهم في التكيف المستمر مع كل تغيير جديد.
الاستثمار الحقيقي في التعليم يتطلب نفساً طويلاً وصبرًا، اد أن النتائج لا تظهر بين عشية وضحاها. إنها تتطلب سنوات من العمل الدؤوب والمنتظم.، إد أنه عندما نعتمد رؤية ثابتة، يمكننا تسجيل تراكمات إيجابية، الشيء الذي سيمكننا من بناء جيل مجهز بالمعرفة والمهارات اللازمة للمنافسة في سوق المعرفة العالمي.
هذا التحول يبدأ من إدراك أن الحلول الترقيعية والمشاريع المؤقتة لن تؤدي إلا إلى المزيد من التراجع. الحل يكمن في التزام حقيقي ببناء منظومة تعليمية مستقرة، تعطي الأولوية للجودة والاستمرارية، وتتيح للجميع الفرصة للمساهمة في بناء مستقبل أفضل.
