اسماعيل الحلوتي
خلافا لما كان قد صرح به وزير الصحة والحماية الاجتماعية السابق البروفيسور خالد آيت الطالب في سنة 2023 حول معدل الحصول على موعد للفحص بجهاز الأشعة السينية “سكانير” في المستشفيات العمومية، الذي حدد له إذاك مدة 52 يوما على أبعد تقدير، معتبرا أنها مدة أقل بكثير من تلك التي تحددها بلدان أخرى، مشيرا إلى أن العمل جار في اتجاه خفض هذه المدة بفضل تعميم التغطية الصحية في إطار برنامج الحماية الاجتماعية، حيث سيصبح بوسع المرضى الفقراء الاستشفاء في المصحات الخاصة.
اهتز الرأي العام الوطني خلال هذه الأيام الحارة من فرط حرارة فصل الصيف لهذه السنة، وذلك جراء منح مستشفى ابن باجة بمدينة تازة امرأة عجوز تبلغ من العمر حوالي 62 سنة موعدا من أجل إجراء فحص بالأشعة “سكانير”، حدد في تاريخ 20 أبريل 2027 أي بعد نحو ثلاث سنوات من الآن، كما تثبت ذلك ورقة المواعيد التي تم ترويجها على نطاق واسع، في الوقت الذي تستدعي الحالة الصحية للمرأة وتقدمها في العمر فحصا مستعجلا لا يحتمل أي تأخير.
وهو ما أثار موجة من الغضب الشديد، ليس فقط في أوساط ساكنة المدينة، بل في جميع جهات المملكة، ومن قبل عديد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث توالت الانتقادات للقائمين على الشأن الصحي أمام هذه الفضيحة المدوية، التي تكشف عن عمق الأزمة التي يعيش على إيقاعها هذا القطاع الحيوي الهام، ولاسيما أن بلادنا تتهيأ لاحتضان عرسين رياضين كبيرين في كرة القدم، أحدهما إفريقي (كأس إفريقيا للأمم برسم سنة 2025) والثاني عالمي (كأس العالم 2030)
فبينما كان المغاربة ينتظرون بفارغ الصبر أن تتحقق “نبوءة” الوزير الوصي على القطاع السابق من حيث خفض معدل مواعيد الفحوصات الطبية بأجهزة الأشعة وغيرها، وفي محاولة الهروب إلى الأمام وتجنب الكشف عن الأسباب الحقيقية الكامنة خلف معاناة المرة من تأخر المواعيد الطبية بالمستشفيات العمومية، لجأ خلفه أمين التهراوي في النسخة الثانية من حكومة عزيز أخنوش، إلى محاولة تبرير ما يحدث من تأخر في المواعيد الاستشفائية وطول انتظار المرضى على اختلاف أعمارهم، بكون العلاج وتيسير أمر الولوج للاستشفاء يعدان حقا دستوريا، لكنه لا يتعارض مع تنظيم العرض الصحي بمختلف التخصصات، إضافة إلى أن إشكالية طول انتظار المواعيد الطبية لا تخص المغرب وحده، إذ تطرح في جل بلدان العالم بما فيها تلك التي تتوفر على منظومات صحية قوية.
وهي الفضيحة التي أعادت إلى الواجهة الحديث عن حق المواطن في الصحة، وطرحت من جديد السؤال حول متى يمكن لوزارة الصحة ببلادنا أن تصبح قادرة على توفير الموارد البشرية الكافية والتجهيزات الضرورية، وتجاوز الاختلالات القائمة والأعطاب الإدارية والتقنية، بما من شأنه الإسهام بفعالية في ضمان خدمات صحية جيدة في آجال مناسبة، تراعي حالات المواطنين على اختلاف أمراضهم؟
إذ ليست هذه المرة الأولى التي تمنح فيها إدارة أحد مستشفياتنا موعدا بمثل هذه المدة المثيرة للاستغراب والاستفزاز، أي انتظار امرأة عجوز حوالي ثلاث سنوات للاستفادة من فحص بجهاز “السكانير”، علما ألا أحد يستطيع أن يعرف إذا ما كان مقدرا لها الاستمرار في الحياة إلى حين حلول الموعد الطبي الممنوح لها. حيث طالما توات الشكايات وتعالت أصوات الاحتجاج منددة بتأخر المواعيد الطبية بالمراكز الاستشفائية في عدد من جهات المملكة، دون أن تجدي نفعا تلك الوعود التي ما انفك يقدمها المسؤولون الحكوميون الذين تعاقبوا على الوزارة للمرتفقين بخصوص هذا المشكل المؤرق، من خلال تطوير نظام معلوماتي لحجز المواعيد المتعلقة أساسا بالعمليات الجراحية والفحوصات الطبية…
فانطلاقا مما يحدث من إخلالات وسوء الخدمات بمختلف مراكزنا الاستشفائية، وخاصة فيما يتعلق بالمواعيد الطبية الخاصة بالعمليات الجراحية والفحوصات بالأشعة وغيرها، يحق لنا أن نتساءل عن تلك الدعوات التي لم يفتأ ملك البلاد محمد السادس يوجهها للقائمين على الشأن الصحي من أجل النهوض بالمنظومة الصحية، ورسالته التاريخية التي وجهها إلى المناظرة الوطنية الثانية للصحة عام 2013، وموافقته على ضرورة القيام بكل ما يلزم من إصلاحات جوهرية في هذا القطاع الاستراتيجي الهام، وتأكيده الدائم على تقويم الاختلالات القائمة، تيسير سبل العلاج والولوج للاستشفاء، وتجويد الخدمات الصحية الشاملة…
ثم أين نحن مما سبق أن صرح به رئيس الحكومة عزيز أخنوش خلال الجلسة الشهرية اتي انعقدت بمجلس النواب يوم الاثنين 7 يوليوز 2025 حول موضوع “المنظومة الصحية الوطنية بين المنجزات الراهنة والتطلعات المستقبلية”؟ إذ أكد أمام نواب الأمة بأن حكومته تولي اهتماما خاصا بإصلاح المنظومة الصحية، لإيمانها العميق بأن تأهيلها ليس مجرد إصلاح قطاع ثانوي، بل هو قاطرة أساسية لتنزيل الرؤية الملكية لمغرب المستقبل، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. ولم يقف عند هذا الحد، بل أضاف قائلا: إن “السيادة الوطنية كل لا يتجزأ، وأنها لن تكتمل عدا بتحقيق سيادتنا في عدد من المجالات الاستراتيجية والحيوية، ومنها سيادتنا الصحية” مستحضرا تشديد الملك على العناية الفائقة بالقطاع حتى يكون رافعة أساسية لمغرب الغد، مغرب التنمية والكرامة والإنصاف والعدالة الاجتماعية.
