في اللحظات الأخيرة من رحلته الإبداعية، يواصل معرض “ألوان اليقطين.. فن من وحي الأرض” المنظم بالمركب الثقافي عبد الحق القادري بالجديدة لغاية نهاية الأسبوع الجاري، إشعال الدهشة في عيون زواره، وكأنه يحتفظ بأجمل مفاجآته للنهاية.
يأتي تنظيم هذا المعرض بمناسبة احتضان مدينة الجديدة، أخيرا، لفعاليات الدورة الأولى لمهرجان اليقطين، حيث لا تعرض اللوحات على الجدران فقط، بل تبدو وكأنها تنبض من تربة المكان، ترتفع كحكايات لونية تستعيد علاقة الإنسان بالأرض وتعيد صياغتها بلمسات تشكيلية ساحرة.
ما يميز هذا المعرض ليس غنى الأعمال فحسب، بل قدرته على تحرير موضوع بسيط كاليقطين من مألوفيته، وتحويله إلى أيقونة جمالية تستحق التأمل. 25 فنانا من مدارس وتجارب مختلفة، ينسجون عالما بصريا مدهشا، تتجاور فيه دفء الألوان الترابية مع إشراقات الأصفر والبرتقالي، وتتحول الثمرة إلى كائن بصري متعدد الحيوات: مرة رمزا للخصوبة، مرة استعارة للزمن، ومرة بطاقة هوية لروح المكان.

جمع المعرض ثلة من الفنانين التشكيليين، من بينهم نبيل الدادسي، زهور معناني، بدر بولهند، سهلي ماجدة، عبد القادر بوطافي، الحسنية بوخاري، رجاء ركراكي، ضاهر عز الدين، ليلى بورودي، علمان نور الدين، زينب الطاهري، مصطفى عاقل، كريم سهيل، السعدية لوغوي، محسن المناني، نوال شريف، أرسلان بوشعيب، أسماء أبو الليث، زينب بوبشرة، نبيل شويشو، نعيمة السياغي، بدرية الشرايبي، غزلان حماص، ملاك تاغي، زهيري فاطمة، بنضراوي حجيبة، وعلياء هاشم.
منذ افتتاحه، قدم المعرض قراءة تشكيلية متعددة الأصوات لليقطين، مستلهما من الأرض روحها ومن الطبيعة ألوانها وملامحها. ومع اقتراب إسدال الستار، يزداد الإقبال على المعرض، فكأن الزوار يتسابقون لالتقاط الفرصة الأخيرة لاستكشاف هذه التجربة الفريدة التي كسرت النمط وخرجت من القوالب التقليدية للمعارض الفنية. أما الورشات التي خصصت للأطفال في أولى أيام المهرجان، فقد تحولت إلى خلايا ضوء صغيرة تنبض بالحركة، حيث تمتد أيدي الصغار إلى الألوان بنفس الحماس الذي تمتد به عيون الكبار إلى اللوحات.
في هذا الفضاء المختلف، يشعر الزائر بأنه انتقل من عرض تشكيلي إلى احتفال بصري كبير، احتفال يزرع الدهشة في الروح، ويجعل اليقطين بتواضعه ودفئه، نجما على خشبة الفن.
ومع بلوغه محطته الأخيرة، يترك المعرض أثرا بصريا وثقافيا ينسجم مع روح المهرجان، مؤكدا أن الفن قادر دائما على إعادة اكتشاف عناصر بسيطة من الحياة وتحويلها إلى تجارب جمالية تحفظ في الذاكرة، ويترك وراءه انطباعا يصعب نسيانه بكون الأرض، حين تستمع إلى نبضها جيدا، تبوح بألوان لا تشبه غيرها، وتمنح الفن أجنحة تحلق بعيدا عن كل ما هو مألوف.
