اسماعيل الحلوتي
جرت العادة في الساحة السياسية ببلادنا أن تكون السنة الأخيرة من عمر الحكومة، سنة انتخابية بامتياز، لما يرافقها من تدافع سياسي كما هو الحال بالنسبة لهذه السنة 2025، حيث انطلقت تسخينات الأحزاب السياسية استعدادا للانتخابات التشريعية القادمة، ليس فقط من قبل أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي، التي شرعت بصفة مجتمعة أو متفرقة في استعراض أهم ما تحقق من “منجزات” في عهدها، بل كذلك من لدن أحزاب المعارضة التي يركز قادتها في خرجاتهم الإعلامية على إخفاقاتها، وما يرونه من نقائص وعدم قدرة الحكومة على ترجمة وعودها إلى حقائق ملموسة على أرض الواقع.
ويبدو أن الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران، هو الأكثر إثارة للجدل من بين أمناء الأحزاب الأخرى ونحن على بعد شهور قليلة من موعد انتخابات المزمع إجراؤها في سنة 2026، إذ لا يدع فرصة تمر دون محاولة استغلالها في اتجاه استقطاب المواطنات والمواطنين، وإعادة البريق المفقود لحزبه واسترجاع شعبيته المتآكلة، مبديا تحمسا كبيرا للعودة إلى رئاسة الحكومة المقبلة أو ما باتت تعرف إعلاميا باسم “حكومة المونديال”.
إذ لا أدل على ذلك أكثر من تصريحه يوم الأحد 7 دجنبر 2025 في لقاء تواصلي مع الهيئات المجالية لحزبه بجهة مراكش-أسفي تحت شعار: “تعبئة شاملة ونضال مستمر من أجل الوطن”، بأن التنافس على المرتبة الأولى في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، سينحصر فقط بين حزبه “العدالة والتنمية” وحزب “التجمع الوطني للأحرار قائد التحالف الحكومي الثلاثي. ومن كثرة غروره الزائد أضاف قائلا: “نحن لا يخيفنا أي شيء، لا المونديال ولا غيره، بإمكاننا تسيير كأس العالم وحتى الحرب العالمية إذا نشبت، نحن لا نخاف” ثم زاد في اعتداده بنفسه “وأكبر دليل على ذلك هو ما حصل عندما أدرنا الحكومة عام 2011، فقد شاهدتم بأنفسكم النتيجة” واستمر في هذيانه كما هو ديدنه…
فمن الوهم أن يعتقد ابن كيران وغيره أن ذاكرة المغاربة قصيرة أو مثقوبة، وأنه يمكنهم بسهولة نسيان ما فعل بهم إبان توليه رئاسة الحكومة في تلك الفترة المشؤومة التي أطلق عليها اسم “الربيع العربي”، ومعه حتى خلفه سعد الدين العثماني، عندما أجهزا خلال قيادتهما للحكومة في ولايتين متتاليتين على أهم المكتسبات الاجتماعية من قبيل الإضراب والتقاعد والوظيفة العمومية وغيرها، واتخاذهما من القرارات الجائرة ما لم يستطع المواطنون إلى الآن التخلص من انعكاساتها السلبية على حياتهم اليومية، على عدة مستويات، منها تحرير أسعار المحروقات وما ترتب عنها من ارتفاع الأسعار في باقي المواد الأساسية، وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتزايد معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي، واستفحال ظاهر الفساد واتساع دائرة الفوارق الاجتماعية والمجالية…
صحيح أن المغاربة شعب متسامح ولا يرحمون من يمس بملكهم كما جاء على لسانه في ذات اللقاء وهو يوجه انتقادات حادة للناشطة اليمنية “توكل كرمان” الحائزة على جائزة نوبل للسلام، بسبب قيامها بتحريض شباب “جيل Z” على اقتحام القصر الملكي خلال احتجاجاتهم، غير أنه نسي أن المغاربة لا يرحمون كذلك من خذلهم وباعهم الوهم ذات انتخابات سابقة، وما يضمره من سوء لبعض فئات المجتمع حتى وهو خارج السلطة. أليس هو من انتقد في لقاء مفتوح مع طلبة أحد معاهد الدراسات العليا سياسة الزيادة في أجور الأساتذة والموظفين التي تبنتها حكومة أخنوش ضمن مخرجات الحوار الاجتماعي، معتبرا أنها أخطأت الطريق، وأنه كان يتعين عليها توجيه الموارد المالية للفئات الهشة والأكثر تضررا. واتهامها بإرشاء النخب الجامعية، مما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط نساء ورجال التعليم والأساتذة الجامعيين وغيرهم من الأجراء؟
فمن حقه أن يكون متفائلا ويحلم بهزم خصومه السياسيين في الانتخابات والانتقام من غريمه أخنوش، لكن لا ينبغي له أن يعول كثيرا على أصوات الناخبين ممن أجهض حزبه أحلامهم ودمر آمالهم على مدى عشر سنوات. إذ لا يعقل أن يعود حزب “المصباح” المنطفئ إلى الإضاءة والفوز بالانتخابات التشريعية، وهو الذي تلقى عقابا عسيرا في تشريعيات 2021 جعله يحتل المرتبة الثامنة ويحصل فقط على 13 مقعد برلماني من أصل 395 مقعد في مجلس النواب، مقابل 125 مقعدا في تشريعيات عام 2016، ليس بسبب توقيع أمينه العام السابق سعد الدين العثماني على اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل، أو مصادقة حكومته على مشروع القانون رقم 21.13 المتعلق بتقنين زراعة القنب الهندي المعروف لدى المغاربة بنبتة “الكيف” وحسب، بل كذلك بسبب التخبط وسوء التدبير والقرارات اللاشعبية، وعدم القدرة على الوفاء بوعوده في تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين، إصلاح منظومتي الصحة والتعليم، الحد من الفوارق المجالية ومعدلات الفقر والبطالة ومكافحة الفساد وتعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان…
على ابن كيران الذي ينعم اليوم بمعاش استثنائي بقيمة 70 ألف درهم شهريا من أموال الشعب دون موجب حق مقابل ما قدمه من خدمات للدولة في ظرف خمس سنوات، من خلال رفع الدعم عن المحروقات، وإقرار خطة التقاعد الجهنمية، ونظام التعاقد بالنسبة للأساتذة عوض إدماجهم في الوظيفة العمومية، والاقتطاع التعسفي من أجور المضربين عن العمل، أن يعلم أن وصول حزبه إلى السلطة كان وبالا على المغاربة، جراء تلك القرارات المجحفة التي انعكست بالسلب على معيشتهم وأجور الموظفين ومعاشاتهم…
