ذ.حساين المامون
ذ.المامون حساين
بتاريخ 3 أكتوبر 2025 ، أصدرت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة مذكرة رقم946/25، في شأن تنظيم وضعية التلميذات والتلاميذ خلال فترة منتصف النهار والساعات الفارغة البينية، حيت توفر المذكرة الوزارية إطارًا استراتيجيًا لتعزيز جودة الحياة المدرسية وسلامة التلاميذ، مدركة أن الفراغات الزمنية، كمنتصف النهار والساعات البينية، تشكل نقاط ضعف أمنية وتربوية، خاصةً للتلاميذ الذين يغادرون المؤسسة ولا يستطيعون العودة لمنازلهم، اد أكدت أن حمايتهم من المخاطر الخارجية والتأثيرات السلبية على تحصيلهم الدراسي أولوية قصوى، للوصول إلى هذا الهدف، دعت إلى تضافر الجهود عبر التنسيق مع الجماعات الترابية (لتوفير الدعم اللوجستي)، وإشراك جمعيات الآباء والأمهات (لضمان المواكبة الأسرية)، مع تشديدها على تأمين المراقبة التربوية وتخصيص فضاءات ملائمة داخل المؤسسات لتنظيم أنشطة ثقافية ورياضية جاذبة. وتوفير الأمان الجسدي والنفسي الذي يعد أساسا لضمان تكافؤ الفرص ونجاح العملية التعليمية بالكامل.
تشكل المذكرة الوزارية مبادرة مهمة وضرورية تعكس إدراكا وزاريا(متأخرا) للمخاطر التي تتهدد سلامة التلاميذ والتحصيل الدراسي خارج أوقات الدراسة المباشرة، وعلى ضوء ذلك نسجل الملاحظات التالية:
1- اعتراف رسمي بالظاهرة: أهم نقطة قوة هي الاعتراف الرسمي بخطورة الفراغ الزمني (منتصف النهار والساعات البينية) على التلاميذ، وتحول المدرسة إلى بيئة غير آمنة في أوقات معينة.
2- المقاربة التشاركية: المذكرة لا تحمل المسؤولية للمؤسسات التعليمية وحدها، بل تدعو إلى تضافر جهود مؤسسات أخرى (الجماعات الترابية، جمعيات الآباء)، مما يوزع العبء ويجعل حل المشكلة مسؤولية مجتمعية مشتركة.
3- التركيز على الجاذبية لا الإكراه: اد لم تكتفِ المذكرة بإجراءات المراقبة الأمنية فقط، بل ركزت على تحويل المؤسسة إلى فضاءات جاذبة مفعمة بالحياة عبر تنظيم الأنشطة الثقافية والرياضية، هذا يعزز مفهوم الحياة المدرسية كبيئة تربوية شاملة، لا مجرد مكان للتعلم الإلزامي، لكن هل تملك وزارة التربية الوطنية الشروط المادية، والموارد المالية ، والعنصر البشري الكافي والمؤهل لتنزيل مضامين هذه المذكرة الخاصة بالاحتفاظ بالتلاميذ بالمؤسسات، التي خرجت على عجل، وفي ظل ظروف خاصة؟.
إن الإجابة على التساؤل حول امتلاك وزارة التربية الوطنية للشروط المادية والبشرية الكافية لتنزيل هذه المذكرة تفرض نفسها بـ “لا” واقعية وقاسية، فالمذكرة، التي خرجت على عجل وتحت” الطلب “، تتجاهل الظروف التي تعيشها معظم المؤسسات التربوية اليوم؛ من نقص مهول في الأطر التربوية والإدارية، واكتظاظ مزمن في الأقسام، و غياب تام للموارد اللوجستية الأساسية كالمكتبات، والداخليات، وفضاءات التنشيط والترفيه والإبداع، ويتفاقم هذا الضعف أكثر في العالم القروي.
إن التنظير يقتضي شروط التنزيل، ومن حق المتعلم أن يجد مكاناً آمناً ومُجهزاً يضمن له التطوير والإبداع، وهو ما يتطلب من الدولة توفير مالية كافية وعنصر بشري مؤهل وفضاءات مناسبة،فلا يُعقل توكيل مهمة الإشراف والمراقبة إلى المدير أو المدرس، كونها تتجاوز مهامهم ولا تدخل ضمن مسؤولياتهم، أو ترك التلاميذ تحت إشراف أطر غير مختصة كالحراس والمنظفات وهلم جراً، إن التغيير الحقيقي يتطلب أن يكون التنظير واقعياً ونابعاً من الميدان، الأمر الذي يستلزم إدماج أولي لأهل الحل والعقد وخبرات الميدان (يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) أي أطر المدرسة التربوية لتكون تكون القرارات قابلة للتطبيق، وليست مُجرد أحلام يقظة إدارية تصطدم بواقع لا يرتفع ، من أبرز إكراهاته:
1. الرهان على البنية التحتية: تطلب المذكرة تخصيص “قاعات متعددة الاستعمالات والمكتبات” لاستقبال التلاميذ. وهي التي لا تتوفر في أغلب المؤسسات التعليمية، خاصةً في العالم القروي أو الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، مما يجعل هذا الإجراء صعب التحقيق دون استثمارات ضخمة وميزانية محددة لتجهيز وتأهيل هذه الفضاءات أو بنائها.
2. تحدي الموارد البشرية (التأطير): تتطلب الأنشطة الثقافية والرياضية وجود أطر تربوية وإدارية للإشراف والمراقبة والتأطير خلال هذه الساعات البينية. المذكرة لم توضح بشكل كافٍ كيف سيتم تعويض أو تحفيز الأطر للقيام بهذا العمل الإضافي، خاصة أن فترة منتصف النهار هي عادةً فترة راحة للطاقم الإداري والتربوي.
3. غموض الدعم اللوجستي: أشارت المذكرة إلى التنسيق مع الجماعات الترابية لتوفير “الدعم اللوجستي والموارد الضرورية”، هذه العبارة واسعة وفضفاضة قد يشمل الإطعام المدرسي أو النقل أو التجهيز… لذا فغياب التحديد الدقيق لطبيعة هذا الدعم يترك مجالاً للتأويل والتقاعس في التفاعل ، ويرهن نجاح المبادرة بمدى انخراط الجماعات المحلية التي تختلف قدراتها المالية واللوجستية بشكل كبير.
4. قضية الإلزامية: رغم أهمية المذكرة، فإنها لا تحدد بوضوح الإجراءات العقابية أو آليات المساءلة في حال عدم التزام المؤسسات بها، مما قد يحولها إلى مجرد توصيات حماسية ” مناسباتية” بدلاً من كونها قرارات تنفيذية ملزمة.
في أفق تجاوز إكراهات الواقع في تنزيل المذكرة الوزارية رقم 946/25، لابد من تبني حزمة من الحلول العملية والجذرية التي تستهدف معالجة الفجوة البنيوية بين الطموح النظري والقدرة الميدانية للمؤسسات التعليمية، من خلال إعادة النظر في الخيارات اللوجستية والتربوية التي أثبتت فشلها سابقاً؛ اد من الضروري إعادة تفعيل الداخليات والمطاعم المدرسية التي تم تقليصها أو تعويضها بالنقل المدرسي المُرهق، الذي تسبب في تدني مستوى التلاميذ وإجهادهم الذهني والبدني نتيجة التنقل لمسافات طويلة، كما يشكل إعادة مناصب القيمين على المكتبات وقاعات المداومة(الأنشطة)، كما كان معمولا به في التسعينيات، لضمان توفير عنصر بشري مؤهل ومختص للإشراف والتأطير(تضعهم الجماعات الترابية رهن إشارة المؤسسات التربوية ) ، كذلك من الأهمية بمكان تقليص عدد الساعات المرهقة للتلميذ التي تحتم عليه الدراسة صباحاً ومساءً بشكل متواصل، كما يشكل إعداد جداول حصص مكيفة خاصة بالتلاميذ الذين تبعد منازلهم عن المؤسسة، لتجنب فترات الفراغ الطويلة وغير المستغلة، وضمان تمكينهم من التنقل في ظروف تضمن لهم شروط الراحة الضرورية ومدخلا لتجنب هدر الزمن المدرسي .
في الأخير نؤكد أن المذكرة تشكل خطوة مهمة على مستوى المبدأ والرؤية، إذ تهدف الى حماية التلاميذ وتوفير مناخ تعليمي سليم وامن، إلا أن نجاحها الفعلي يعتمد على قدرة الوزارة على توفير آليات تمويل وتنفيذ واضحة ومحددة، تعالج تحديات البنية التحتية ونقص الموارد البشرية، وتحول التنسيق المطلوب مع الجماعات الترابية إلى إلزام وواجب محدد بجدول زمني وميزانية واضحة.
